فاطمة الزهراء.. حين تمشي القدوة على الأرض
مراجعة نقدية – ابداعية شاملة لبحث أ.د. منتهى عبد الزهرة العزاوي الذي اتّسمَ بعنوان: (دور المرأة القدوة - شخصية الزهراء عليها السلام
بقلم/ افتخار الصفار
في زمنٍ تاهت فيه البوصلة، وتبعثر فيه معنى "القدوة"، تأتي هذه الدراسة لتعيد ترتيب المعنى، لا عبر استعراض شخصية تاريخية وحسب، بل عبر اقتراح أنموذج متكامل للمرأة المسلمة في كل زمان ومكان: فاطمة الزهراء (عليها السلام).
هنا، لا نقرأ سيرة بقدر ما نلامس جوهر النور في هيئة إنسان، ونشهد كيف تصوغ القداسة دورها التربوي والاجتماعي والرسالي، في فضاء تغزله الدكتورة منتهى عبد الزهرة العزاوي بعين أكاديمية وروحٍ مؤمنة.
بين النبوة والإنسان: القدوة تتجسد
من أول سطر، يُطرح السؤال المركزي:
"هل يعي المربّون ما تثمره امرأة ناضجة فاضلة، حين تتولّى تربية الأجيال؟"..
في الإجابة، لا يُكتفى بالتنظير، بل يُستحضر أنقى صورةٍ أنجبتها الإنسانية: وهي الزهراء (عليها السلام)، بنت محمد، ربيبة الوحي، قرينة الولاية، أمّ الإمامة.
فهي ليست مجرد امرأة صالحة، بل هي القدوة المُطلقة، التي تنفتح أدوارها من حضن البيت إلى منبر الأمة، ومن القِدر إلى قِمم البلاغة والقيادة.
عمق البحث... فلسفة "الدور" وعلوّ الشخصية
يمتاز البحث بتوظيفه العميق لمفاهيم علم النفس والاجتماع (كالشخصية والدور الاجتماعي) في تحليل شخصية الزهراء، حيث تُعرض ليس بوصفها "مقدسة فقط"، بل كإنسانة اجتماعية، مؤثرة، متكاملة، تحتل مركزًا وظيفيًا في المجتمع بتوازنها النفسي والقيادي.
النقطة اللافتة أن الباحثة لا تضع السيدة الزهراء (عليها السلام) في برج عاجي، بل تسحبها بلطف إلى واقعنا، لتكون أقرب وأوضح: كيف كانت زوجةً لا يُسمع منها شكوى، وأمًّا أنجبت القادة، ومواطنة خرجت تُناظر وتحاجج وتُدافع عن الحق في مجتمع الرجال!..
فاطمة... منبع متجدد للمرأة الواعية
يتقدّم البحث خطوة أبعد حين يربط الأنوثة بالإنسانية، لا بالشكل؛ فالمرأة في خط الزهراء (عليها السلام) ليست جسدًا يُستهلك، بل عقلٌ وروحٌ وسلوكٌ يتجاوز دور التجميل إلى مهمة التكميل، وهنا تصبح الزهراء (عليها السلام) مرآة لكل امرأة تتساءل:
"كيف أكون امرأة تحمل رسالة؟ كيف أكون صوتًا بلا صخب، و وقارًا بلا انكسار؟"..
الخطاب الأكاديمي... بروح عاشقة
ما يحسب للبحث أيضًا هو لغته الوجدانية، حيث تظهر العاطفة الصادقة دون أن تفقد الجملة اتزانها العلمي، تحضر الشواهد النصية (القرآن، السنة، الخطب) بشكل مكثف، لكنها لا تُستخدم كأسانيد جافة، بل كنبض حي، يبني الحجة ويقوّي البنية الأخلاقية للرؤية.
ومن الناحية المنهجية، ينقسم البحث بوضوح إلى مبحثين:
الأول: شخصية الزهراء من حيث السمات والمكانة القرآنية.
الثاني: أدوارها الاجتماعية (زوجة، أم، مربية، معلمة، مسؤولة، قائدة).
وفي كل فصل، تُعالج المفاهيم بسلاسة وربط منهجي بين النظرية والتطبيق الواقعي في حياة الزهراء (عليها السلام).
نقد خفيف الظل... لا ينقصه الاحترام
رغم أن البحث شديد الثراء، لكنّه – بحكم التخصيص في قدوة واحدة – يترك مساحة غير مستثمرة للسؤال: هل بالإمكان تقديم مقاربة مقارنة مع نساء قدوات عبر التاريخ الإسلامي مثل السيدتين: (زينب بنت علي، خديجة بنت خويلد مثلًا) (عليهما السلام)؟.
أيضًا، كان يمكن تضمين بعض آراء مفكرين معاصرين حول القيادة النسوية لتوسيع الحقل الجدلي للبحث، ومنح القارئ فسحة مقارنة بين الطرح التقليدي والطرح المجدد.
نص يُقرأ كدعاء، ويُفهم كأطروحة
لا يملك القارئ، عند انتهائه من هذا البحث، سوى أن يشعر بجلال الشخصية المبحوثة، وعمق التجربة البحثية، التي تصهر التاريخي بالنفسي، والديني بالاجتماعي، والأنثوي بالإنساني.
ولأن الزهراء (عليها السلام) لا تُقرأ؛ بل تُستشعر، فإن هذا العمل ليس مجرد دراسة؛ بل محراب فكرٍ وروحٍ يقود إلى مرآة الذات.
ختاماً: الزهراء (عليها السلام)... مشروع امرأة لا تذبُل
في زمن يُقاس فيه النجاح بعدد المتابعين واللايكات، تأتي الزهراء (عليها السلام) لتقول:
"القدوة ليست من تُعجِب الناس، بل من تُشبه النور... وإن خفي".
وهكذا، نجحت الدكتورة منتهى العزاوي في أن تُجسد ذلك النور، ببحث يشبه سجدة طويلة على أعتاب امرأة علّمت التاريخ أن العظمة لا تحتاج ضجيجًا.
المصدر/ مجلة العتبات



