الهذيلي المنصر: كربلاء ملحمة عظيمة ورمز إنسانية عميقة وبليغة
يعد التبادل الفكري بين الشعوب اداة مهمة للحوار والتواصل ونقل التجارب المختلفة والاستفادة منها لدفع عجلة التقدم الانساني نحو التطور والرقي وبناء مجتمعات بعيدة عن هوة التنافر.
من هنا كان للعتبة الحسينية المقدسة دورها المتميز في هذا المجال من خلال دعوة واستقطاب مختلف الشرائح المجتمعية من مختلف الدول للاطلاع على حضارة وديانة العراق وتبيان الصورة الحقيقية للحياة في هذا البلد، ولذلك حضر وفد من المثقفين والاعلاميين التونسيين الى كربلاء بدعوة من مركز الاعلام الدولي التابع لقسم الاعلام في العتبة الحسينية المقدسة، وكان من ضمن الوفد الاستاذ الجامعي والباحث في الشأن الثقافي الاستاذ الهذيلي المنصر، فكان لوكالة كربلاء الآن معه هذا الحوار:
س: كيف يرى المثقف التونسي اليوم تقاطع الهوية المغاربية مع العمق المشرقي من خلال بوابة العراق وكربلاء؟
تصنيفنا بين مشرق ومغرب تصنيف جغرافي واصطلاحي وإلّا فالمشاركات كثيرة وليس أقلّها أنّ رؤيتنا الإيمانية للعالم والوجود واحدة. فهناك من المشرق في المغرب وهناك من المغرب في المشرق. هناك اختلافات ولا شكّ بل قد نجد منها داخل البلد الواحد ولكن هذه الاختلافات لا توزن ولا تؤثّر إلّا عندما نقرّر البناء عليها، وإذا نظرنا بعين الوحدة والمُشترك يتغيّر المشهد تماما. كما انها اختلافات مُضخّمة بغاية التشتيت والفتنة.
س: تونس والعراق يمتلكان إرثا حضاريا ضاربا في القدم مثل قرطاج وبابل، كيف يمكن استثمار هذا الإرث المشترك في صياغة خطاب ثقافي عربي حديث يتجاوز الحدود السياسية؟
الوعي بالإرث الحضاري والإستثمار فيه بل والتّأصيل به والتأسيس عليه من الذكاء وهو نادر في كلّ الأحوال. فوعي العراقيين بإرثهم الحضاري الضارب في التاريخ عبر البابليين والسومريين وأقرب من ذلك عبر التوحيد وأنبيائه وصلحائه وأئمّته الأطهار عليم الصلاة والسلام مفيد جدّا، وهو يحمّل الأجيال الجديدة مسؤولية حفظ تراث تليد. وكذلك وعي التونسيين بجدارة تاريخهم وقدم ميراثهم الرمزي والثقافي يحمّلهم مسؤولية من ذات الجنس، وهذا مشترك مفيد يفرض أن يدفع الى الأمام بمباحث ومعارف كعلوم الحضارات والثقافات والأديان المقارنة، وإذا أضفنا إليها عُنصُري العروبة والإسلام يكون المشترك واسعا بما يوسّع حتما دائرة الالتقاء والتعاون البحثي مقدّمة لشراكة حقيقية.
س: إلى أي مدى تسهم الشخصيات التاريخية المشتركة مثل شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) كرمز إنساني في تشكيل الوجدان الجمعي للشعب التونسي؟
تكون مبالغة إن قلنا أنّ الإمام الحسين عليه السّلام يُذكرُ في تونس بالحجم والتواتر الذي يُذكرُ به في العراق وكربلاء تحديدا كما عاينّا وشهدنا، ولا يعني هذا أنّ هذا البطل العظيم والنّادر نكرة في تونس فهو يُذكر ويبجّل ويُتوسّل به ويُتبرّك به وكثير من الأناشيد والأهازيج الدينية عندنا تمتدحه والحسنين عليهما السلام بوصفهما السبطين وابني فاطمة الزهراء عليها السلام، ولأهل الكساء مكانة عظيمة عندنا وتقريبا لا تحتفظ الذاكرة التونسية بغير هؤلاء ولا تعلم عن باقي الأئمة الذين يقدّمهم الإخوة الجعفريّة، دون هذا يعلم التونسيون أنّ العراق مركز ثقافي وديني وحضاري رائد عربيّا وإسلاميّا كما ان المقرّرات الدراسية لا تنسى العراق ولا تنسى نخبه العالمة على مرّ القرون.
س: هل يمكن اعتبار كربلاء مختبراً للهوية العابرة للأوطان؟ وكيف يقرأ الأكاديمي التونسي هذا التنوع الثقافي ؟
ذلك ممكن طبعا إذا أحسنّا تحويل درس كربلاء وأقصد ترجمته وأحسب أنّ هذه الترجمة تشترط أقدارا مُعتبرة من الذكاء والإبداع. ولاحظت أنّنا نُثقل الحسين عليه السلام ونثقل كربلاء بالتاريخ، فمن الصواب أنّ عاشوراء وكربلاء محطّة تاريخية أليمة ومريرة وصادمة ويمكن تصنيفهما من ضمن التراجيديات الإنسانية القصوى، ولكن لم يكن كلّ الذي كان إلّا ليكون الدرس بليغا. وكربلاء ملحمة عظيمة ورمز إنسانية عميقة وبليغة. ولكن كيف نحوّل المأساة ملحمة الى وعي وخطاب ، كيف نفهم عاشوراء استقبالا وتطلّعا لا استدبارا وعودة؟ لقد قهر الحسين عليه السلام الموت وسخر من القوّة وهو بهذا مثال بطولة لا تفنى وأنموذج تحدّ لا ينكسر. وعالمنا اليوم يحتاج الى هيمنة روحيّة الحسين عليه السلام ويحتاج المؤتمنون على هذه الروحية والمتحمّسون لها بذل جهد جبّار للنظر في مقامات مجتمعية متباعدة مختلفة وجعل مقالنا الحسيني يصادف كلّ هذه المقامات، ووحدها الفطرة وخطابها يقدران على بناء هذا الانسجام بين المقال أو الخطاب الحسيني وبين سياقات انسانية شاء الله أن تكون مختلفة، فلا يمكن مثلا أن نحدّث في الحسين عليه السلام في بلد كتونس كما يحدّث عنه العراقيون في العراق وفي كلّ الأحوال فليس المناط هو الخطاب وإنّما المناط معناه وقصده.
س: بعيدا عن البعد الديني البحت، كيف يقرأ المثقف التونسي فلسفة المقاومة في حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وتطبيقاتها في الأدب والفكر التونسي المعاصر؟
لا يحضر الحسين عليه السلام أدبًا وفكرا كما يحضر في العراق مثلا. ولكنه يحضر في الاعتقاد التونسي بوصفه درّة من درر آل البيت عليهم السلام وشهيدا مقاوما للظلم. وفكرة المقاومة حاضرة خصوصا فترة الاستعمار الفرنسي كما هي حاضرة الان عبر العنوان الفلسطيني.
س: كيف تصفون جماليات المكان في العتبات المقدسة في كربلاء؟ وهل هناك نقاط تشابه معماري أو روحي تذكركم بمدن تونسية كالقيروان مثلا؟
هذا سؤال برسم المختصّين ولا شكّ ولكن كانطباع من بعيد أقول أنّ الذائقة الجمالية التي شهدناها في مقامي أبي عبد الله وأبي الفضل عليهما السلام مركّبة فاخرة تعتني بدقّة بالتفاصيل، فالطابع مشرقيّ شرقي بالغ ويظهر في الزركشة والأشكال والألوان. وعندنا من هذا أو من بعضه في بعض القصور والبيوتات القديمة الفاخرة أمّا في المساجد ومراكز التعبّد الأخرى كالزوايا وأضرحة الصالحين فالذائقة تميل إلى البساطة والطابع الغالب أندلسي.
س: ما هو الانطباع الأول الذي تشكل لديكم حول المنظومة الخدمية التطوعية في كربلاء، وكيف يمكن قراءتها من منظور (علم اجتماع)؟
هي منظومة فعّالة بل هي أكثر فعالية من المنظومات الرّسمية لأنها، كما فهمنا على الأقلّ، تقوم على التطوّع والالتزام العقدي العميق. وأتمنّى رؤية منظومات الدولة العراقية تقتبس من هندسة وروحية العتبات فقد لاحظنا فوضى مُخيفة خارج دائرة عمل هذه العتبات ونشاطها. ودولنا العربية عموما بلا روح، وقامت على نمطيّة وشكليّة غربيّتين فلا هي تغرّبت بأصالة واستفادت من هندسة مجتمعات غربية متينة إلى حدّ مُعتبر ولا هي حافظت على روح مجتمعاتنا التقليدية والمتوارثة.
س: هل هناك حضور لكربلاء أو مأساة الطف في الشعر والرواية التونسية الحديثة؟ وكيف يتم توظيف الرمز الحسيني هناك؟
لا وجود لذلك تقريبا وأحسب أنّ الأمر ينسحب على كلّ مجتمعات شمال إفريقيا تقريبا رغم أنّ هذه المجتمعات هي الأكثر تعلّقا بآل البيت عليهم السلام. فالتديّن التونسي إلا بعض الاستثناء القليل لا يستحضر البتّة المسألة التاريخية، فلا يعلم الناس تقريبا شيئا عن تاريخنا الإسلامي ، إلا نخبة ضيقة لا توزن عقديّا، فلا علم لهم عن سقيفة ولا عن صفّين ولا عن كربلاء ولا عن أمويين ولا عن عباسيين. فكثيرون يحبون الحسين ولا يعلمون أنّه عليه السلام مضى شهيدا، والمتدين التونسي النمطي يؤدي العبادات المفروضة ويسعى في التخلّق بأخلاق الإسلام وكلّ من يقول أنّ بتونس تيّار شيعي ممكن أن يتحوّل ظاهرة اجتماعية مؤثرة يبالغ. نعم يمكن ان يشكّل التشيع طفرة سبقتها طفرات لم تدم. والتحوّلات العقدية بطيئة جدّا واحسب بالقرون وبالنظر للأزمات السياسية والاجتماعية التي تعرفها تونس فإنّ السؤال الديني عموما ضعيف الحضور شعبيا. وقد توهمنا منصات التواصل بضخامة الاهتمام بالدين والإسلام في تونس ومن الخطأ التّعويل على ذلك واعتماده في التحليل السوسيولوجي، فالمجتمع التونسي طلّق أو يكاد مع تقليديّته ومنها ميراثه الإسلامي وتغرّب إلى حدّ بعيد ولا يشكّل ما نحن بصدده من مسائل هاجسا حقيقيا ومتينا. صحيح أن هناك خلال السنوات الماضية بفعل الأحداث الضخمة في المنطقة تيار واسع متعاطف ومناصر للمقاومة ولكن من الخطأ ربط هبّة التونسيين الفطريْة بالمسألة الدينيّة وخصوصا بالمسألة المذهبيّة. فهناك مسافة شاسعة بين مجتمع العراقيين ومجتمع التونسيين. وقد حافظ مجتمع العراقيين بأقدار معتبرة على تقليديته وحمى العائلة وتشبّث بالأعراف وتدينه فرع عن تقليديته. اما مجتمع التونسيين فخلاف ذلك إلى حدّ بعيد. فهناك تحديث يتواصل منذ قرون ومناهج تربية وتعليم منمّطة تماهيا مع النماذج الغربية وتفكك أسري وجاليات واسعة مهاجرة واقتصاد سوق. وقد يحضر الدين مع كلّ هذا ولكن بتصرّف تمليه بنية مجتمع تغيّر كثيرا وبسرعة خلال عقود قليلة، فلا قبائل في تونس ولا عشائر إنما مؤسسات ودولة تسعى في الأفضل نظاما ووفرة واستقرارا وتجنّب أزمات.
س: كيف يمكن تطوير نشاطات حوارية دائمة بين العتبة الحسينية والمؤسسات الثقافية في تونس لتعزيز التبادل المعرفي والأكاديمي؟
المؤسسة المؤهلة تونسيا لبناء شراكة وتعاون مع العتبة الحسينية هي جامع الزيتونة والجامعة الحاملة لاسم الزيتونة بالنظر إلى وحدة الاختصاص الديني العقدي، وأنّ العتبة ولكونها توسّع أنشطتها الى الفكر وتنفتح على الثقافة فيمكن رؤية نخب جامعية وأكاديمية تونسية تشارك في أنشطة ترعاها العتبة. كما يمكن - مثلا- أن ترعى ورشة فكر تونسية عراقية تكون في حالة اجتماع وانتاج دائمين، وفي كلّ الأحوال لا أرى الحلّ دينيا صرفا ولا أرى التبشيرية المذهبية تنجح في ردم ما نعاني منه من هوّة وضعف تواصل، فالرقي الذهني والمتانة الفكريّة طريق خلاصنا الجمعيّ كعرب ومسلمين وإلا فسيمتدّ تشتيتنا وستطول فرقتنا.
س: ما الذي يمكن أن يقدمه المثقف التونسي من إضافة نوعية للمؤتمرات الفكرية التي تقام في العراق، والعكس صحيح؟
بشهادة كثيرين تشكّلت في تونس خلال العقود الماضية نخبة بحث وفكر مُعتبرة لجهة سعة الاطلاع وصرامة المنهج، ويُعرّف عن التونسيين منذ القديم انفتاح على المختلف وإحاطة محترمة بما يبلغه الآخرون في شتى المعارف، ويُعرّف عنهم أيضا إتقانهم السريع للغات، وهذه عناصر مفيدة وضامنة لتكوين علمي مميّز، غير أنّني لاحظت وأنا أطّلع على ورقات وملخصات لمؤتمرات انتظمت في العراق أنّ الجرأة تنقصها، فللبحث ناموسه الخاصّ ومن المفيد عوض الركون الى الأجوبة السهلة المغامرة في طريق السؤال والأشكلة.
س: بصفتكم زوارا ومثقفين ما هي الرسالة التي ستحملونها معكم إلى تونس عن العراق الجديد بعيدا عن الصورة النمطية التي قد تظهر في وسائل الإعلام؟
الرسالة أنّ العراق يتعافى بعد أزمات مدمّرة بالجملة وأنّ لديه عناصر قوّة ويسير على طريق النهوض، طريق يستفيد منه العراق ولا شكّ ولكن العرب والمسلمين يستفيدون منه أيضا ولا شكّ.
س: ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه السياحة الدينية والثقافية في تعزيز العلاقات الانسانية والدبلوماسية بين تونس والعراق؟
الدين من الثقافة والثقافة أوسع من الدين لا بمعنى أنّ الدين ثانوي، ولكن بمعنى أنّ الثقافة تتّسع لمجمل العوالم المعنوية والرمزية. وهناك أمور لا تدخل في نطاق الدين كالآداب مثلا وكالفنون وشتّى الإبداعات، فهل يُطلب رأي عالم الدين مثلا في رسم الحرف العربي وزخرفته؟ والاجابة لا، وهذا يعني أنّ هناك فسحة لاهتمامات ونشاطات ترتبط بأبعاد أخرى في الإنسان والمجتمع غير البعد الديني الصّرف، فالمتديّن الواعي بانفصال واتّصال الأبعاد يدرك أنّ لكلّ مقام مقال ويسمح بتعدّد التعبيرات والمقالات، أما التزمت فيبدأ عندما يعتقد المرء أنّ الدّين ينفي الثقافة باختزالها فيه، وعليه فالسياحة الدينيّة هي جوهر وسياحة ثقافية. وان ثقافتنا الإسلامية دينيّة وليس هذا عيبا بل هنا نقطة قوّة يمكن استثمارها والرّهان عليها. وقد فصل الغربيون بلحظة عسيرة من لحظات تاريخهم بين الدين والثقافة معتقدين أنّهم يحيون بهذا الفصل الثقافة ويوسّعون مجال حرّية الإنسان إبداعا وتفنّنا ولكن تبيّن أنّ الثقافة التي تحسب نفسها نقيضا للدّين تبلغ حدّا تموت بعده وتسقط في العبث كما هو حاصل اليوم ويعترف به الغربيون قبل غيرهم. لذلك يسعون في رفد الثقافة اليوم بشيء من المعنى وجرعات من التعالي وهم بهذا يعودون للدّين من دون الاعتراف بذلك، والتشابك الثقافي أساس كلّ تشابك انطلاقا من سنّة أنّ المعنويّات هي الضامنة للمادّيات والمرء اذا اقترب منك معنويّا يمكن أن يبني معك في كلّ حقل ومجال بين سياسة وديبلوماسية وتنمية واقتصاد.
س: ما هو الشيء الذي رآه المثقف التونسي في شوارع كربلاء وأسواقها ولم يقرأ عنه في الكتب أو يره في شاشات التلفاز؟
في كربلاء تفجّر قياسي للوجدان وانعتاق مُعجز للعاطفة وكأنّ الذين يحضرون إلى الزيارة ينفضون عنهم هويّة ويوقظون هويّة أخرى هي هويتهم الأعمق. هذا ممّا يكتشفه المرء بالإحساس والمعاينة لا بالخطابات والكتب. المطلوب طبعا تحويل هذه الطاقة المركّزة في زمن الزيارة ومكانها الى طاقة مرافقة تحضر بكلّ منشط. تحضر علما وبحثا وتحضر عملا وتفانيا وتحضر ادارة وتصرّفا.
س: تونس قطعت شوطاً كبيراً في حقوق المرأة كيف يرى المثقف التونسي نموذج المرأة الزينبية كقائدة ومصلحة اجتماعية؟
نظريّا هذا ممكن طبعا ولكنّ بناء النموذج ليس مسألة نظرية. هي مسألة ميدانية وتشترط عقلا عمليّا بذكاء قياسي وصبر وأناة. صحيح أنّ النماذج الجاذبة خلال القرون والعقود الماضية تسقط الآن وما اقترحه الغربيون من أنساق انتظام جمعي ومن فهم للإنسان يتداعى باعتراف الغربيين أنفسهم ولكنّ هذا لا يعني أنّ النموذج الذي نريد اقتراحه جاهز تماما لأنّنا نتحمّس له ونعتقد في جدارته. الخشية أنّ فهمنا لهذا النموذج ولنماذج أخرى يأخذنا الى ضروب من الحنين الماضوي. إذا أصّلنا لهذا النموذج بروح تطلّع واستقبال لزمن قادم يكون توفيقا ولا شكّ. فالبيئة الإنسانية بمختلف سياقاتها تغيّرت كثيرا ونحن عندما نفكّر في النموذج الزينبي فإنّما نفكّر فيه ربطا له بهذه البيئة المستجدّة والمركّبة. وقد نرى أنّه علينا تغيير البيئة برمّتها وهذا مطلوب ولكنّه ليس متاحا ولا متيسّرا بالمرّة. أمّا المرأة التونسية فهي جماع بيئة تونسية طرأت عليها تحوّلات متسارعة أكثر من أيّ مكان آخر وتراث تونسيين هو ثقافي وديني. للمرأة التونسية خصال ومكتسبات كما تشكو من نقائص وتواجه أزمات. ممكن لأنّ التأليف بين ذاكرتها العربية والإسلامية وتطلّعها الحداثي لم ينجح كما نرجو وترجو.
س: هل لفت انتباهكم شيء عن طبيعة الضيافة الكربلائية؟ وهل هناك ملامح اجتماعية تشبه "العائلة الممتدة" التي لا تزال تقاوم في بعض المدن التونسية؟
حافظ العراقيون على قسط وفير من تقاليدهم وهذا يُحسب لهم. وقد نجحت العائلة في الصمود وبصمودها صمدت الأعراف وثبتت الوشائج. وكذا موجود من هذا في تونس ولكن بنسب أقلّ. وهذا لا يفسّر بإرادة التونسيين فالتراحم والتحابب قيم فطريّة ثابتة. هو يفسّر بنظام حياتنا كتونسيين وهذا النظام مرتبط بهندسة بناء المجتمعات وهيمنة النموذج الغربي والغرب قريب من تونس حدّ الملاصقة والتداخل.
س: تونس عاشت تجربة مدنية ، والعراق يمر بمرحلة إعادة بناء فكيف يمكن لكربلاء، كمركز ثقل اجتماعي، أن تساهم في بناء دولة المواطنة من وجهة نظر الضيف التونسي؟
كربلاء مركز معنوي ورمزي ضخم وتحضر الى كربلاء دوريا كتلة قياسية من العراقيين وليس هذا بالقليل بزمن فيه التشتّت والتفتّت هما القاعدة. وما عادت الأحزاب قادرة على جمع هذا الخلق ولا الأفكار والإيديولوجيات. لذلك صار لكربلاء مركزية إذا كانت النية أن يجتمع العراقيون حول مشترك جامع. وبقيت الحاجة الى النظر في الوسائل والتقنيات والأولويات والكادر البشري الصبور الذي لا يستعجل الخطوات ولا يغامر ولا يقامر، ويدرك أعداء العراق القوّة الكامنة في المشهد الكربلائي وسيسعون من دون شكّ في التشويش عليه وقصفه بكلّ وسيلة.
س: كيف يقرأ المثقف التونسي قدرة كربلاء على استيعاب الملايين من قوميات ولغات مختلفة في وقت واحد؟
كربلاء تعني الحسين والحسين يعني الموقف والكرامة والعزّة ورفض الظلم والاستعداد لبذل النفس حفاظا على إنسانية الإنسان، وهو رمز ديني ولكنه أيضا رمز انساني ويخاطب دمه كلّ إنسان بقيت فيه بعض انسانية، ووضع الحسين في العنوان المذهبي والديني يضرّ به وبالمذهب والدين، خصوصا الان، وهناك توق لتحرّر انساني واسع لا يحدّه حدّ.
س: ماهي الرسالة التي ستقومون بايصالها الى زملائكم عن ما رأيتموه في العراق وكربلاء والعتبات المقدسة والعتبة الحسينية المقدسة ؟
ليست رسالة كما قد نفهم الرسالة بقدر ما هي حالة وعي ومنهج مقاربة وتفكير، ففي العراق عناصر نهضة حقيقية تنفع العراقيين وغيرهم والتمنّي أن يوفّق العراق وينجح في تفعيل هذه العناصر وعلى رأسها كربلاء الحسين عليه السلام.



