التصحر والجفاف في العراق.. أزمة وطنية تتقاطع مع مشهد دولي متحول

: فريق التحرير 2025-11-27 09:31

يشهد العراق في أواخر عام 2025 واحدة من أشدّ موجات الجفاف والتصحر في تاريخه الحديث، إذ أعلنت وزارة الموارد المائية العراقية أن الواردات المائية من نهري دجلة والفرات انخفضت إلى نحو 27% مقارنة بالعام السابق، بينما هبط خزين المياه في السدود والخزانات إلى ما يقارب 8% فقط من طاقتها الاستيعابية بحسب تصريح للوزارة.

وتشير تقارير بيئية محلية إلى أن نحو 39% من أراضي العراق دخلت فعلياً في دائرة التصحر، فيما تهدد المخاطر الممتدة 54% من المساحة المتبقية إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية وعاجلة، كما تسجل منظمات مهتمة بالمناخ موجة نزوح ريفي متزايدة بسبب فقدان مصادر الرزق المرتبطة بالزراعة والمياه.

وتتداخل أسباب الجفاف والتصحر بين عوامل مناخية وأخرى بشرية. فقد أظهر تحليل بيئي أن ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار باتا جزءاً من نمط مناخي مستمر مرتبط بالتغير المناخي العالمي. بحسب تقرير التغير المناخي في العراق، كما تُشير بيانات ميدانية إلى استمرار سوء إدارة المياه داخلياً، وضعف شبكات الري، وتدهور البنى التحتية المائية، ما أدى إلى هدر واسع للمياه. بحسب تقرير وكالة شفق الإخبارية 

أما إقليمياً، فيُعد انخفاض الإطلاقات المائية من تركيا وإيران نحو نهري دجلة والفرات عاملاً مركزياً في تفاقم الأزمة، حيث حذرت دراسات من أن كميات الماء الواردة للعراق باتت "غير مستقرة" ومهددة بالانخفاض المستمر. بحسب العربي الجديد

ورغم عمق الأزمة، شهد عام 2025 مبادرات محدودة لمواجهتها، من أبرزها برنامج "الزراعة الحافظة" الذي أطلقته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) بالتعاون مع الجهات العراقية لإعادة تأهيل التربة وتحسين إدارتها في محافظات الجنوب UN Iraq، 2025غير أن هذه المشاريع تصطدم بتحديات هيكلية تشمل نقص التمويل وضعف التنسيق المؤسسي، إلى جانب توسع تأثيرات التغير المناخي وضغوط دول الجوار على الحصص المائية، بحسب تشاثام هاوس 

وتبرز صورة أكثر اتساعاً عند وضع الأزمة العراقية ضمن المشهد الدولي، إذ توضح دراسات حديثة أن موجات الجفاف الشديدة منذ عام 2014 أصبحت أطول وأكثر انتشاراً في مناطق لا تُعد تاريخياً ضمن النطاق الجاف، ما يؤكد أن ما يمر به العراق جزء من نمط عالمي متصاعد. 

كما تبين معلومات أن حوض دجلة - الفرات بأكمله، من تركيا إلى العراق، يشهد جفافاً ممتداً مرتبطاً بالتغير المناخي وسوء الإدارة المشتركة للمياه، إضافةً إلى ذلك، حذرت الأمم المتحدة من احتمالات تحول الجفاف وندرة المياه إلى أحد أبرز مصادر التوتر السياسي والصراعات في مناطق تعتمد على أنهار عابرة للحدود، وفي مقدمتها العراق.

وتنعكس هذه التطورات على الأمن الغذائي، حيث سجلت وزارة الزراعة انخفاضاً حاداً في إنتاج القمح والشعير، وارتفاعاً في الاعتماد على الاستيراد، مع اتساع رقعة البطالة الريفية. كما تتزايد معدلات الهجرة الداخلية من مناطق الجنوب والفرات الأوسط نحو المدن الكبرى بسبب فقدان الأراضي الزراعية وتملّح التربة وزحف الرمال. 

وعلى المستوى البيئي، ترتفع وتيرة العواصف الترابية بشكل ملحوظ، ويتوسع الغطاء الرملي على حساب الأراضي الخصبة، مما ينذر بتدهور طويل الأمد قد يكون من الصعب عكس مساره.

أمام هذه التطورات، يشدد الخبراء على ضرورة تبني سياسة مائية وطنية موحدة تشمل تحديث أنظمة الري، والحد من الهدر، وإنشاء أحزمة خضراء لوقف زحف الرمال، إضافة إلى تفعيل التفاوض الدبلوماسي مع دول المنبع لضمان حصص عادلة من المياه، كما تتطلب المرحلة دعم المزارعين وتعويضهم، وإطلاق برامج اقتصادية بديلة للمجتمعات المتضررة، والاستفادة من التمويل الدولي الخاص بمكافحة التغير المناخي والتصحر.

ختاماً، يُظهر المشهد البيئي في العراق نهاية عام 2025 أن أزمة الجفاف والتصحر لم تعد مجرد تحد محلي، بل جزء من أزمة عالمية تعيد تشكيل الأمن الغذائي والمائي في العالم. ويبقى مستقبل العراق مرهوناً بقدرته على اتخاذ خطوات جريئة وسريعة، وبالتعاون الدولي والإقليمي، لضمان الحد الأدنى من الاستقرار البيئي والحياتي لشعبه.

العودة إلى الأعلى