صلاة الليل في القرآن والحديث.. بين المجتمع القديم والحديث (2)

بعدما تحدّثنا في الجزء الأول من المقالة عن الصلاة الواجبة عمومًا وأهميتها وحرمة تركها، وعرّفنا صلاة الليل وأكّدنا على استحبابها وعواقب تركها ودلالاته، ننتقل في هذا الجزء إلى الحديث عن خصوصية صلاة الليل ونظرة المجتمع الحديث إليها، كما سنذكر مصاديقها وشواهدها من القرآن والحديث الشريف عن النبي والأئمة الطاهرين عليهم أفضل الصلاة والسلام، وذلك في سبيل توضيح وترسيخ فكرة عمومية وسهولة صلاة الليل التي ظنّ ويظنّ البعض أنها مختصّةٌ بمن هو متفرّغٌ للعبادة أو التفقّه في الدين.

 

أولًا: خصوصية صلاة الليل مع سهولة أدائها لكل إنسان وفي كل عصر:

         إن الناظر في أهمية صلاة الليل والتوصية الدائمة بها في كتاب الله العزيز وأحاديث النبي والأئمة المعصومين عليهم السلام، كما سنبيّن في هذا البحث، مع محافظته واهتمامه بصلاته الواجبة التي تحتلّ آناء ليله وأطراف نهاره، وحرصه على القيام بها في أوقاتها المنصوصة، لن يعدم الالتزام بها في موعدها والوقت الكافي لأدائها أو قضائها إن فاتته. ولعل من المناسب هنا أن نؤكّد على أن الإنسان العصري، رغم كثرة مشاغله الدنيوية وضيق وقته العباديّ أحيانًا، يجد دائمًا متنفّسًا للطعام والشراب والمنام، وسائر الحاجات الضرورية، ويعطي فائض وقته للتواصل الاجتماعيّ مع من يعرف من البشر أو من لا يعرف، في زمنٍ احتلّت فيه وسائل التواصل الاجتماعي مركز الصدارة في حياة معظم الناس، حتى غدت الأجهزة الذكية والمحمولة أكثر وفرةً من الكتب والأقلام في أيدي الكبار والصغار. وإذا علمنا أن وقت صلاة الليل يمتدّ من منتصف الليل إلى مطلع الفجر، أي أنه يحاذي في أوله على الأقل، وقت منام معظمنا، وفي آخره وقت استيقاظنا للذهاب إلى مدارسنا وجامعاتنا وأعمالنا اليومية، نعلم أن بالإمكان اقتطاع جزءٍ من وقتنا نختم به أو نبدأ به نشاطاتنا اليومية، ونؤدّي تلك الركعات السريعات في جوف الليل أو قرابة الفجر، متقرّبين بها إلى خالق السموات، الذي ترك لنا كل ساعات النهار والليل لنقضيها في طاعته، فليس كثيرًا أن نخصّص منها دقائق معدودةٍ تفي لنا بحقّ عبادته، علمًا أن نافلة الليل، إن احتسبناها دون تعقيباتها ومستحباتها الإضافية، لا يتجاوز وقت أدائها العشر دقائق، أو الخمس عشرة دقيقة على أبعد تقدير، وهو وقتٌ قصيرٌ نسبيّا، نقضي أكثر منه بأضعافٍ مضاعفةٍ أمام شاشات التلفاز والمحمول، بفائدةٍ أو بغير فائدة.

         هذا في ما يتعلّق بموضوع الوقت والمدة الزمنية التي تستغرقها هذه الصلاة، لمن يشكو من ضيق وقته.

أما من حيث القيمة الروحية والنفسية، فإن نافلة الليل، إن تمكّن المرء من الالتزام بها والمواظبة عليها، هي رياضةٌ روحيةٌ لا مثيل لها، وهي من أهم العبادات التي تفضي بالإنسان إلى راحةٍ نفسيةٍ وفكرية، إذ أنها نوعٌ من البثّ والمناجاة الخالصة بين العبد وربه، في وقتٍ يتفرّغ فيه الإنسان من هموم الدنيا، ويفكّر في آخرته المقبلة، ويضع عن كاهله تلك الأثقال الزاخرة التي تحول بينه وبين رؤية معالم الطريق، فيحصل على هدوءٍ واطمئنانٍ لا يمكن أن يحصل على مثلهما بأي رياضةٍ أو علاجٍ نفسي، لأن الروح هي موطن الشكوى، فإن انطلقت في فضاء الملكوت هنيهاتٍ قليلات، وتقرّبت من بارئها بركعاتٍ خفيفات، ستعود شفّافةً هفهافةً تنطلق نحو الحياة، دونما عائقٍ من ذنبٍ فات أو من خطرٍ آت.

ولعل الإشارة إلى ذلك موجودة أيضًا في الكتاب العزيز، في قوله تعالى:

﴿إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسّه الشرّ جزوعا، وإذا مسّه الخير منوعا، إلا المصلّين﴾

وقوله أيضا:

﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين﴾

حيث يبرز لنا الباري تعالى أهمية الصلاة في إعطاء الإنسان القوة النفسية والثبات الروحي لمواجهة المصاعب والمصائب التي تزخر بها الحياة، سواءً ما ابتلي به الإنسان أو ما جرّته عليه نفسه الأمارة، فهو في كلا الحالين يعاني، ويحتاج إلى زادٍ يتزود به لتجاوز الأزمة، وما الصلاة إلا ذلك العماد الأرقى والأمتن، الذي سلّح الله به عباده المؤمنين، واصطفاهم به ليكونوا له عابدين...

 

ثانيًا: فضل صلاة الليل في القرآن والحديث:

"يا نفس قومي ها فقد نام الورى    إن ينمِ الناس فذو العرش يرى

وأنتِ يا عين دعي عنك الكرى    عند الصباح يحمد القوم السرى"[1]

(أمير المؤمنين عليه السلام)

إن الهدف من استهلال هذا العنوان بأبيات أمير المؤمنين في الحثّ على صلاة الليل ومغالبة هوى النفس للوصول إلى هذه المكرمة الفياضة، هو التأكيد على أهميتها للعامل العابد.

ومن الأكيد أن الأمير عليه السلام ليس بأول ولا آخر من دعا إلى ارتشاف هذا المعين العذب ونوّه به وبفضله، وقد أُثر عنه فيما أُثر من فضائله التي لا يحصيها العادّون، أنه لم يترك أداءها في كلّ ليلة، حتى في ليلة الهرير، وهي أشد ليالي حرب صفين احتدامًا، حيث "نصب له نطعٌ بين الصفّين ووقف يصلي!"

ولقد كان الكتاب العزيز هو السبّاق إلى هذا التنويه، وحديث النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم موكّدًا عليه، ثم أتت أحاديث الأئمة الكرام عليهم السلام لتزيد وتفيض، وكلهم في الحديث سواسية، كجدهم المصطفى، فهم ﴿ذرية بعضها من بعضٍ والله سميعٌ عليم﴾، وهم كإياه في كلامه المبين، ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى﴾.

ويمكن لنا أن نورد بعض الآيات الذاكرة والمشدّدة على قيام الليل وفضله، وحسن أثره في النفس، وارتقائه بها، ثم ننتقل إلى الحديث الشريف الذي يصب في المجرى نفسه، ليتكوّن من كليهما نهرٌ فيّاضٌ بالتقوى، يصل بشلّالٍ من نور، بين العبد وربه، ليمحو بألقه كل ديجور، ويذوب العابد المتهجّد في حبه...

﴿ومن الليل فتهجّد به نافلةً لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودا﴾[2]

إن الخطاب في هذه الآية موجّهٌ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أجمع المفسرون، كما أجمعوا أيضًا على أنها في الخطاب الإلهيّ للنبي قد أتت بصيغة الأمر، لخصوصيةٍ تختصّ به صلوات الله وسلامه عليه وعلى آلهالطاهرين، "فظاهر الآية هو اختصاص وجوب صلاة الليل على النبي دون سائر الأمة... لكن لا ينافي كونها مندوبة على الأمة اقتداءً به وتأسّيًا بطريقته واستنانًا بسنّته، بمنطوق قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة﴾

﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون﴾[3]

أي تتنحى وترتفع جنوبهم عن المضاجع لصلاة الليل، وهم المتهجّدون بالليل القائمون من فراشهم لصلاة الليل... الذين لا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من أجرٍ وثوابٍ عليها، فعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام:

"ما من عملٍ حسن يعمله العبد إلا وله ثوابٌ في القرآن إلا صلاة الليل فإن الله لم يبيّن ثوابها لعظيم خطرها عنده.[4]"

والآيات السابقة من سورة السجدة نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وأتباعه...

﴿أمّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه﴾[5]فعن أبي جعفر عليه السلام أن المراد بها صلاة الليل.

﴿ومن الليل فسبّحه وإدبار النجوم﴾[6]فعن أبي جعفرٍ عليه السلام أنه الوتر في آخر الليل.

﴿ومن الليل فاسجد له وسبّحه ليلًا طويلا﴾[7]فعن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه سئل: "وما ذاك التسبيح؟"، فقال: "صلاة الليل".

﴿إن ناشئة الليل هي أشدّ وطئًا وأقوم قيلا﴾[8]فعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: يعني بقوله "وأقوم قيلا" قيام الرجل من فراشه يريد به الله عزّ وجلّ ولا يريد به غيره.

﴿والذين يبيتون لربهم سجّدًا وقياما﴾[9]والمقصود بهم "عباد الرحمن" المذكورين في الآية السابقة من السورة نفسها، ووجه تخصيص عباد الرحمن بفضيلة صلاة الليل لأن الطاعة فيه أحمد ومن الرياء أبعد...

والخلاصة هنا تبيان عظم أهمية صلاة الليل وفضلها حتى أتى ذكرها والحثّ عليها في مواضع متعددة من القرآن الكريم، ويكفي في اختصار ذلك ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل الأخير خيرٌ له من الدنيا وما فيها، ولولا أني أشقّ على أمتي لفرضتها عليها...

إن كلّ ما تمّ ذكره، وغيره كثير، من ذكر فضل صلاة الليل في القرآن الكريم، مع تأويل تلك الآيات من خلال مرويّات النبيّ والأئمة عليهم السلام، هو لفتح الآفاق أمام شرفها وعظيم نعمة الله بها على عباده، حتى غدت من أهم ما يميّز التقيّ، الواعي لأنعم الله عليه، عن الغافل السادر في غياهب الدنيا لا يعي من بركات الحب الإلهي ما يرفع عنه غشاوة الغفلة، حتى يتذوّق لذة الطاعة والتقرّب إلى الله عزوجل، في مستحباته فضلًا عن واجباته، في ذلك الوقت الذي يخلو فيه الإنسان لنفسه فيحاسبها، ويلتقي فيه بأحبته فيعاتبهم، فلم لا يكون له في لقاء الله عز وجل والاختلاء به مناجيًا ومستغفرًا وتائبًا عن ذنوبه، رصيد طاعةٍ ومحبةٍ لا تنتهي؟!

وصلاة الليل هي تجسيدٌ للمحبة الخالصة التي لا تشوبها شائبة من هوى النفس أو النفاق أو حب الظهور، إذ يكون العبد في خلوته لا يراه إلا الله ولا يسمع صوته سواه، وهي أمورٌ لا تختصّ بزمانٍ ولا زمان، ولا يستغني عنها إنسان، سواءً كان في عصر النبي الأكرم أو في هذا العصر، ولعله كلما زادت تعقيدات الحياة ومسؤولياتها، ومشاكلها وصعوباتها، ازدادت حاجة الإنسان إلى فسحة الأمل، وخالص العمل، ووجد في هذه اللحظات اليسيرات التي يقضيها بين يدي ربه، منجاةً له من ذنبه، وعودةً إلى صفاء روحه وقلبه، ما يحتاجه لمواصلة الطريق، في دنياه وآخرته.

واستكمالًا للبحث، فإنه لا بدّ من التوسع قليلًا في الأحاديث الشريفة المروية عن أهل البيت عليهم السلام، التي تحثّ على صلاة الليل واستحبابها المؤكد، كما لا بد من توضيح أسباب وعوائق ترك صلاة الليل وعدم التوفيق لأدائها، وهو ما سيكون موضوع الجزء الثالث من المقالة إن شاء الله تعالى.



[1]ديوان الإمام علي (ع)

[2] سورة الإسراء، الآية 79

 

[3]سورة السجدة، الآية 16

[4] ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج2، ص 1654

[5]سورة الزمر، الآية 9

[6]سورة ق، الآية 40

[7]سورة الإنسان، الآية 26

[8] سورة المزمل، الآية 6

[9] سورة الفرقان، الآية 64


العودة إلى الأعلى