قصة الولاء لأهل البيت عليهم السلام في المدينة التركيّة المنسيّة هاتاي

2026-11-02 12:27

تحقيق: صباح الطالقاني

ما ان حطّت الطائرة التي تقلّنا في مطار مدينة هاتاي الجنوبية التركية حتى استشعرنا ألفة الطبيعة والمجتمع في اجواء من حرارة الاستقبال التي غمرنا بها الاصدقاء من اهالي هاتاي، هذه المدينة التاريخية التي بقيت طوال قرون تحمل الهوية الاسلامية المؤطرة بمحبة اهل البيت عليهم السلام والولاء لهم، رغم ظروف عدم الاستقرار عبر التاريخ، والمِحن التي تعرضت لها وآخرها الزلزال المدمّر الذي ازال احياء سكنية ومرافق عمرانية بأكملها، وتوفّي أكثر من 50 ألف شخص في كارثة 6 فبراير/ شباط من عام 2023، وفقاً لوكالة إدارة الكوارث التركيّة.

تركَتْ آثار ذلك الزلزال الى اليوم ونحن في منتصف عام 2026 اثراً عميقاً ومؤلماً في نفوس مجتمع هاتاي الذي يتكون بالاغلبية من الاصول العربية وابناء الطائفية العلويّة بوجه الخصوص، لكن اللافت بالامر هو وجود عدد كبير من الاهالي الذين لا زالو يتمسكون بالولاء لأهل البيت عليهم السلام وترى دلالات هذا التمسك في المساجد والهيئات الصغيرة التي زرناها، وقد انشئت في اماكن متفرقة من المدينة وعلى سفوح الجبال المحيطة بها من ثلاث جهات.

 فكيف استطاعت مدينة بقيت بلا امتداد ديني وروحي وايماني ان تحفظ محبة اهل البيت عليهم السلام لأكثر من ثمانية قرون؟!

وكيف بقيَ اهلها وامتدادهم العربي جنوباً لسواحل اللاذقية السوريّة متمسكين بولاية اهل البيت عليهم السلام، رغم تحديات الجغرافية والمحيط المختلف، والبُعد عن مراكز الامتداد الديني الذي ينتمون اليه؟!

يقول الشيخ ابراهيم، وهو إمام مسجد في هاتاي" نقيم الصلاة اليومية في المسجد وهناك حضور لافت خاصة في ايام الجمعة، وتوجد برامج لتعليم القرآن الكريم لأن الناس هنا يفتقدون لتعلّم اللغة العربية ونحن نساعدهم في هذا المجال رغم قلّة الموارد المتاحة لدينا، لكننا مصرّون على الاستمرار في هذا الطريق والمحافظة على ما نقله لنا اجدادنا من حفظ ديننا وتراثنا المتمسك بإرث اهل البيت عليهم السلام من مئات السنين في هذه البقعة النائية".

ويفيد حسن توركاي، احد الاشخاص الذين تولّو إعداد الترتيبات لبرنامج العتبة الحسينية المقدسة الثقافي، الذي اُقيم هذه السنة ولأول مرة في مدينة لم يدخلها امتداد ثقافي بإسم اهل البيت عليهم السلام على مدى مئات السنين" كان صدى الفعالية الثقافية التي اقامتها العتبة الحسينية كبيراً ومؤثراً جداً لأنه لم يسبق ان حضرَت الينا اية جهة من هذا النوع في تاريخ المدينة خاصة واننا بعيدون جغرافياً عن الاماكن المقدسة في العراق وكذلك وجود تحديات وتاثيرات الثقافات الغريبة الواردة لنا من الخارج مما أثّر كثيراً على مستوى الثقافة الاسلامية بصورة عامة في مجتمع هذه المدينة، الامر الذي يوجب علينا وعلى الاخوة في امتدادنا الديني والمؤسسات الدينية في الاماكن المقدسة في العراق ان تستمر في رفدنا بهذه النشاطات الثقافية وان تساعدنا في بذل المزيد من العطاء في مجال نشر الثقافة الاسلامية وتعليم القرآن الكريم واقامة النشاطات في المناسبات العامة والخاصة".

الوجود الإسلامي ومذهب أهل البيت عليهم السلام في هاتاي وأنطاكية

ابتداءً، يتكون معظم النسيج الاجتماعي في مدينة هاتاي من العلويين، وهنا لا بد من التمييز بين مصطلحين: العلويون العرب، والشيعة الإمامية الاثنا عشرية، فكلاهما يرتبط بتراث أهل البيت عليهم السلام، لكنهما ليسا مذهباً واحداً، ولا يصح اعتبار جميع العلويين في هاتاي من أتباع المذهب الإمامي الاثني عشري، وهنا تبرز عدة تساؤلات يجب توضيحها:

أولاً: متى وكيف وصلت الطائفة العلوية إلى المنطقة؟

لفهم جذور هذا الوجود، ينبغي العودة إلى القرن الثالث الهجري، لا إلى تاريخ الفتح الإسلامي لأنطاكية.

-القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي): ظهرت النواة التاريخية للعقيدة النُصيرية في العراق، وارتبطت بمحمد بن نصير النميري، المتوفى نحو سنة 270هـ/883م بحسب بعض الروايات التاريخية، وإن اختلفت المصادر في تاريخ وفاته.

-القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي): أسهم الحسين بن حمدان الخصيبي (ت 346هـ/957م تقريباً) في تنظيم هذا التراث ونشره، وارتبط نشاطه بمدينة حلب، التي أصبحت مركزاً مهماً لانتشار هذه الجماعة.

-القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي): امتد الوجود العلوي نحو المناطق الجبلية الساحلية في بلاد الشام، ولا سيما جبال الساحل السوري، ومنها المناطق المتاخمة لأنطاكية وهاتاي الحالية.

-القرون اللاحقة: ساعد التواصل الجغرافي والاجتماعي بين جبال الساحل السوري ومنطقة لواء الإسكندرونة على استمرار الوجود العلوي في القرى والبلدات الجنوبية من المنطقة.

ثانياً: هل العلويون في هاتاي شيعة إمامية اثنا عشرية؟

العلويون العرب في هاتاي يُعرفون في الدراسات الأكاديمية باسم «النُصيريين» أو «العلويين العرب»، ويستخدم كثير منهم اليوم تسمية «العلويين العرب» للتعبير عن هويتهم.

لديهم ارتباط خاص بالإمام علي بن أبي طالب وأهل البيت عليهم السلام، ويحمل تراثهم عناصر من الموروث الشيعي، لكن عقيدتهم وتكوينهم الديني يختلفان عن المذهب الجعفري الاثني عشري في مسائل الإمامة والعبادات والتأويل الديني.

ثالثاً: هل يوجد أتباع للمذهب الجعفري الاثني عشري في هاتاي؟

لا تقدّم الدراسات المتاحة دليلاً كافياً على وجود تجمّع جعفري اثني عشري تاريخي كبير ومنظَّم في أنطاكية يماثل التجمعات العلوية العربية، بل يوجد أفراد وعائلات جعفرية، و وافدين من سوريا والعراق وبلدان أخرى، وهم يشتركون مع العلويين برؤية موحّدة تجاه إبراز المحبة والولاء لأهل البيت عليهم السلام والتمسك بهم، واستذكار المناسبات الخاصة بالأئمة وخصوصاً ما يتعلق بأمير المؤمنين الامام علي عليه السلام وأيام استشهاد الامام الحسين عليه السلام وواقعة كربلاء.

المرفقات

العودة إلى الأعلى