الشورجة سوق عريقة تواجه اختبار البقاء والتجديد
بمساحتها وبعدد محالها وبطبقات الزمن التي تحملها، وبقدرتها على جمع تجارات مختلفة في أزقة ضيقة تتداخل فيها حركة الباعة والمتبضعين وعربات نقل البضائع. ففي قلب بغداد، تقع الشورجة والتي لا تبدو السوق مجرد مكان للبيع والشراء وانما تمثل جزءاً من الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، ووجهة يقصدها تجار من مناطق عراقية متعددة بحثاً عن تنوع البضائع والأسعار المناسبة.
تعود جذور الشورجة إلى العصر العباسي المتأخر، وعرفت، وفق ما أورده قسم الآثار في جامعة المستقبل في دراسة منشورة عام 2025، بأسماء متعاقبة هي سوق الريحانين، ثم سوق العطارين، قبل أن تستقر على اسم الشورجة. أما أصل التسمية، فلا يزال موضع اختلاف، إذ يرجح رأي أنها كلمة فارسية تشير إلى البئر المالحة، فيما يربطها رأي آخر بدهن السمسم المعروف باسم "الشيرج". ويكشف هذا الاختلاف جانباً من تاريخ المكان الذي تراكمت فيه آثار العصور وتداخلت فيه أنشطة التجارة والحياة اليومية.
وتضم الشورجة أكثر من 19 سوقاً فرعية متخصصة، تتوزع بين التوابل والصابون والقرطاسية والزجاجيات وغيرها من السلع، فضلاً عن خانات تاريخية ارتبطت بحركة التجار وتخزين البضائع. وبحسب تقرير نشرته الجزيرة نت في 15 كانون الأول 2018، فإن هذه التخصصات جعلت السوق واحدة من أبرز الوجهات التجارية في العاصمة، فيما ارتبط اسمها بمواسم رمضان والأعياد، حين تتجه إليها العائلات لتأمين احتياجاتها، إلى جانب أصحاب المحال الذين يشترون بضائعهم بكميات كبيرة.
تجارة تتجاوز حدود العاصمة
لا تقتصر أهمية الشورجة على موقعها وسط بغداد، بل تمتد إلى طبيعة عملها التي تجمع البيع بالجملة والمفرد، فان التاجر الصغير يستطيع شراء كميات محدودة، فيما يجد أصحاب المحال والأسواق الأخرى خيارات أوسع لتجهيز بضائعهم. وتمنح كثافة المتاجر وتنوعها الزبون فرصة المقارنة بين السلع والأسعار، وهو ما يعزز مكانة السوق في شبكة التجارة الداخلية العراقية.
وبرزت التوابل والمكسرات والبقوليات ضمن المواد الغذائية التي يزداد الطلب عليها. كما أشارت التقارير إلى تغير عادات التسوق لدى بعض الأسر بفعل الظروف الأمنية وتوسع الأسواق القريبة من المناطق السكنية. ويعكس ذلك أن الشورجة، على الرغم من رسوخ مكانتها، تعمل في بيئة اقتصادية واجتماعية تتغير باستمرار، ولم تعد الخيار الوحيد أمام المستهلكين.
وتظهر أهمية السوق بصورة أوضح في المواسم التي ترتفع فيها حركة الشراء، إذ تتحول شوارعها إلى مسارات مزدحمة بالمتبضعين وعربات نقل البضائع. وفي الوقت الذي يمنحها هذا الإقبال نشاطاً تجارياً ملحوظاً، فإنه يضع بنيتها الحضرية أمام اختبار صعب وهي كيف يمكن استيعاب حركة تجارية واسعة في منطقة لم تُصمم شوارعها وأزقتها لاستقبال هذا الحجم من السيارات والعربات والمشاة؟
لا تجمع الشورجة أصحاب رؤوس الأموال وحدهم؛ فالبسطات المنتشرة في محيطها تمثل مصدر رزق لباعة يعمل بعضهم بإمكانات محدودة. وتتحدث تقارير عن قلق أصحاب البسطات من الإجراءات التي كانت السلطات المحلية تعتزم اتخاذها لتنظيم المنطقة وإزالة التجاوزات، وسط مخاوف من خسارة مصادر دخلهم.
وعلى الأرصفة الضيقة، تتحول البسطة إلى مشروع صغير يعيل أسرة، ويصبح الرصيف مساحة عمل لمن لم يتمكن من الحصول على وظيفة مستقرة. لكن هذه الصورة الاجتماعية تصطدم بحقوق مستخدمي الطريق، فالأرصفة مخصصة للمشاة، واحتلالها بالبضائع والعربات يدفع الناس أحياناً إلى السير وسط السيارات، فضلاً عن تأثير التجاوزات في حركة النقل ووصول مركبات الطوارئ.
وفي هذا السياق، برز موقف أمانة بغداد الداعي إلى تنظيم الشوارع وإزالة التجاوزات، مع طرح معالجة أوسع لمشكلة البطالة وتوفير البدائل الاقتصادية. غير أن التحدي لا يتعلق بإزالة البسطات وحدها وانما بكيفية تنفيذ التنظيم من دون تحويل كلفته إلى عبء إضافي على أصحاب الدخل المحدود.
بوقت سابق، أعلنت أمانة بغداد أنها تدرس نقل أسواق الجملة من وسط العاصمة إلى أطرافها، بهدف تسهيل توقف سيارات الحمل قرب أماكن التفريغ، وتقليل إعاقة الشوارع والمارة. فان المنطقة بدأت تضيق بكثرة روادها، مع تصاعد الاختناقات المرورية الناجمة عن كثافة السيارات والمتسوقين.
وتقوم فكرة النقل على إنشاء مواقع أوسع تستطيع استيعاب المخازن وشاحنات النقل ومناطق التحميل والتفريغ، بما يتيح فصل جزء من حركة البضائع الثقيلة عن حركة التسوق اليومية. وقد يرى بعض التجار في هذه الخطوة فرصة لتقليل كلف التخزين والنقل، خصوصاً إذا توافرت مساحات أكبر وأسعار إيجار مناسبة.
لكن نقل السوق ليس قراراً عمرانياً بسيطاً، فالموقع الحالي يرتبط بعلاقات تجارية تشكلت على مدى عقود، وبقربه من أسواق أخرى ومناطق سكنية وشبكات نقل وتوزيع. وقد يؤدي نقل النشاط بالجملة إلى تغيير طبيعة المنطقة، والتأثير في أصحاب المحال الذين يعتمدون على تدفق الزبائن، فضلاً عن العمال والناقلين والباعة الصغار.
ومن هنا، فإن نجاح أي مشروع للنقل يتوقف على تفاصيله، موقع الأسواق الجديدة، وسهولة الوصول إليها، وتوافر الطرق الملائمة للشاحنات، وكلف الإيجار والخدمات، وآليات الانتقال التدريجي. كما يتطلب إشراك التجار وأصحاب المصالح في التخطيط، بدلاً من التعامل مع السوق بوصفها مجموعة مبانٍ يمكن نقلها من مكان إلى آخر.
ذاكرة الأسواق القديمة
لا تنفصل قضية الشورجة عن سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الأسواق التاريخية في المدن العراقية. ففي بغداد نفسها، أعاد سوق الاستربادي في الكاظمية هذا الملف إلى الواجهة. وفي نيسان 2026، تناول مركز إحياء التراث العلمي العربي في جامعة بغداد، خلال ندوة علمية، أهمية السوق التاريخية وسبل إحيائها مع الحفاظ على خصائصها المعمارية وهويتها التراثية. كما أفادت تقارير صحفية في الشهر نفسه بوجود تحركات لدراسة صيانتها وتأهيلها.
وتكشف هذه التجربة أن الحفاظ على الأسواق القديمة لا يعني تجميدها عند صورة تاريخية، بل إيجاد توازن بين صيانة مبانيها واستمرار وظائفها الاقتصادية والاجتماعية. وينطبق السؤال نفسه على الأسواق التقليدية في مدن عراقية أخرى، حيث تتقاطع التجارة اليومية مع الذاكرة المحلية والهوية العمرانية، وتواجه السلطات تحديات متشابهة في تنظيم الحركة وحماية التراث.
تطوير السوق
وتقف الشورجة اليوم بين حاجتين مشروعتين هما مدينة تريد شوارع أكثر انسيابية وأرصفة آمنة للمشاة، وسوق تعتمد حيويتها على القرب وتنوع البضائع وكثافة الحركة، وتوفر فرص عمل لشرائح مختلفة من المجتمع.
ولا يبدو أن الاختيار بين الإبقاء على الوضع الحالي أو نقل السوق بالكامل هو الطريق الوحيد. فمن الممكن بحث حلول متدرجة تشمل تنظيم أوقات دخول الشاحنات، وتحديد أماكن التحميل والتفريغ، وإعادة توزيع حركة النقل، وتخصيص مواقع نظامية للباعة، إلى جانب دراسة إنشاء مراكز للجملة خارج المنطقة، مع إبقاء المحال التي تعتمد على البيع المباشر في مواقعها وفق متطلبات التخطيط والتنظيم.
وفي النهاية، لا يتعلق مستقبل الشورجة بمصير المحال وحدها، بل بمستقبل العلاقة بين الاقتصاد والمدينة والناس. فالسوق التي ورثتها أجيال من التجار والزبائن ليست مجرد مساحة تجارية، وإنما مكان تتقاطع فيه سبل العيش والذاكرة والعادات اليومية.
وربما يكون السؤال الأهم أمام بغداد ومدن العراق الأخرى: كيف تستطيع المدن أن تتطور وتستجيب لحاجات سكانها، من دون أن تفقد الأماكن التي منحتها شخصيتها؟


