النخلة العراقية من رمز ثقافي إلى اقتصاد يبحث عن النمو
إضافة الى انها عنوان للهوية والذاكرة الشعبية في العراق أصبحت النخلة في العراق عنوان للهوية ملفا اقتصاديا تراهن عليه الدولة والمزارعون لتنويع الإيرادات بعيداً عن النفط. غير أن هذا الرهان يصطدم بجفاف وملوحة وضعف في التصنيع والتسويق، ما يجعل الطريق إلى اقتصاد نخيلي مستدام أطول من مجرد زيادة في أعداد الأشجار.
ويأتي موسم هذا العام وسط توقعات بأن يتجاوز إنتاج التمور في العراق 850 ألف طن، مع صادرات تقارب 700 ألف طن سنوياً. وبحسب بيانات وزارة الزراعة، يحتل العراق المرتبة الأولى عالمياً بعدد أشجار النخيل والرابعة في إنتاج التمور.
ويرى مزارعون أن القطاع شهد تعافياً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، وأن عدد النخيل تجاوز 22 مليون نخلة. وكانت الوزارة قد أعلنت أن العدد بلغ هذا المستوى للمرة الأولى منذ الثمانينيات، بعد أن هبط إلى ثمانية ملايين فقط. وقال وزير الزراعة في تصريح سابق إن الهدف بلوغ 30 مليون نخلة خلال خمس سنوات.
يعكس هذا التعافي حجم الخسارة السابقة. فقد أسهمت حروب الخليج والحصار والنزاعات المسلحة والتجريف في تراجع أعداد النخيل إلى نحو النصف، وفي البصرة التي كانت قلب هذه الزراعة، يقول مسؤول زراعي محلي إن المحافظة كانت تضم 13 مليون نخلة من أصل 32 مليوناً في عموم البلاد، قبل أن ينخفض العدد بشدة.
على الصعيد الاقتصادي، ذكرت وكالة "فرانس برس" في 2024 أن صادرات التمور أدرت 120 مليون دولار في العام السابق، لتكون ثاني أكبر صادرات العراق بعد النفط. وتصل الشحنات إلى أسواق عربية وأجنبية، منها مصر والمغرب والهند وإيطاليا وهولندا.
وفي إطار حماية الإنتاج المحلي، وافق المجلس الوزاري للاقتصاد في أيلول/سبتمبر 2025 على منع استيراد التمور المعبأة لثلاثة أشهر لحماية المزارع العراقي وتوفير كميات كافية للاستهلاك المحلي.
ورغم ذلك، يبقى الفارق واضحاً مع المنافسين. فالسعودية، على سبيل المثال، أنتجت في 2025 أكثر من 1.9 مليون طن من نحو 37 مليون نخلة.
يرى باحثون عراقيون أن المكسب الأكبر يكمن في التصنيع لا في التصدير الخام. فبحسب دراسة صناعية، ينتج الطن الواحد من التمر ما بين 650 و700 كغم من الدبس، فضلاً عن السكر السائل والخل والخمائر والعصائر. ولا يزال الجزء الأكبر من المنتج يُباع تمراً مكبوساً أو معبأً، فيما ترصد دراسات أكاديمية مشكلات تواجه صناعة كبس التمور في كربلاء المقدسة.
التقنيات الحديثة
تعول الحكومة على الفسائل النسيجية لإعادة بناء البساتين. وقال وكيل وزارة الزراعة إن الوزارة تعاقدت مع شركات عالمية لإنتاج فسائل نسيجية تباع لأصحاب البساتين بأسعار مدعومة، مع التوسع في الري بالتنقيط وحملات مكافحة الدوباس.
وفي البصرة بدأ مختبر نخيل البصرة العمل في 2023، وبإمكانه إنتاج ما يصل إلى 250 ألف فسيلة سنوياً بنسبة نجاح تصل إلى 99%. ويقول القائمون عليه إن بعض الأصناف المحلية وصلت إلى حافة الانقراض بفعل الحروب والتجريف وارتفاع الملوحة.
لا تقل التحديات حدة عن الطموحات، ومع حرارة تتجاوز 50 درجة، يواجه المزارعون نقص المياه والملوحة وارتفاع كلف الإنتاج. وفي شط العرب، يقول مزارعون إن انخفاض التدفق سمح لمياه الخليج بالتوغل أكثر نحو الداخل، فارتفعت الملوحة إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي بابل، يقول مزارعون إن نخيلاً كثيراً مات بسبب الجفاف وإن المنطقة كلها تعاني. ويطالب مزارعو البصرة بـتحسين خدمات التسويق والتعبئة والتخزين المبرد. كما تشير دراسات أكاديمية إلى أن آفات النخيل قد تسبب إصابات تتراوح بين 30 و100% عند توفر الظروف الملائمة، فيما تحدث تحقيق صحفي في 2021 عن مشكلات في عقود الأراضي المملوكة لوزارة النفط يعاني منها مستثمرون في زراعة النخيل.
تملك النخلة العراقية ما يؤهلها لتكون ركيزة اقتصادية: عدد كبير من الأشجار وسمعة تاريخية وطلب خارجي. غير أن تحويل هذه الثروة إلى قيمة مستدامة يتوقف على تأمين المياه ومواجهة الملوحة، وعلى الاستثمار في التصنيع والتخزين والتسويق.
كربلاء الآن+وكالات


