كيف تعيد وسائل التواصل رسم ملامح اللهجات العراقية؟

: أسرة التحرير 2026-09-16 08:31

يزخر العراق بتنوع لغوي نادر يعكس طبقات تاريخه الممتدة عبر آلاف السنين، إذ لا يقتصر الأمر على اللهجة البغدادية الشهيرة، بل يمتد إلى مئات اللهجات الرئيسية والفرعية التي تختلف من محافظة إلى أخرى، بل ومن مدينة إلى أخرى داخل المحافظة نفسها. غير أن هذا التنوع بات اليوم مهدداً بشكل حقيقي، في وقت تتغير فيه طبيعة اللغة اليومية تحت تأثير الهجرة والتحضر ووسائل التواصل الاجتماعي.

يوضح الأكاديمي والباحث في التراث العراقي قاسم بلشان أن العراق، بوجود أكثر من 18 محافظة، يضم عشرات اللهجات الفرعية داخل كل مدينة، بحسب ما نقله موقع "الجزيرة نت". ويرى بلشان أن هذه اللهجات، على اختلاف أوزانها، لم تحظَ حتى الآن بالاهتمام الذي يليق بمكانتها كمرآة تعكس تاريخ الأجداد على مدى آلاف السنين.

لهجات على حافة الانقراض

في الثامن من يونيو/حزيران 2025، أطلق المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان دعوة عاجلة لحماية نحو 500 لهجة محلية رئيسية وفرعية مهددة بالزوال في العراق، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الموروث الشعبي والهوية الثقافية. ووفق ما ذكره الخبير التراثي جنيد عامر من الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية لموقع "الجزيرة نت"، فإن ما بين 6 و8 لهجات مهددة بالزوال النهائي، فيما بدأت مئات أخرى تضعف تدريجياً.

ومن أبرز اللهجات المهددة التي رصدها التقرير: اللهجة المندائية التي يتحدث بها أبناء الطائفة الصابئية في ميسان وذي قار وبغداد، واللهجة السريانية الحديثة لدى الآشوريين والسريان والكلدان في سهل نينوى ودهوك والتي تأثرت بموجات النزوح بعد اجتياح تنظيم داعش، واللهجة الشبكية في سهل نينوى، إضافة إلى اللهجة الفيلية لدى الكرد الفيليين، واللهجة الزنجبارية النادرة التي يتحدث بها بعض العوائل ذات الأصول الأفريقية في البصرة والزبير والتي كادت تختفي بعد اندماج متحدثيها في محيطهم العربي. كما تواجه اللهجات البدوية الأصيلة في الأنبار والمثنى والنجف وجنوب بغداد تراجعاً تدريجياً بفعل التحضر وانتقال السكان إلى المدن.

سلاح ذو حدين

يحذر بلشان من التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة على أصالة اللهجات العراقية، مشيراً إلى بروز ما يسميه "اللهجات الهجينة" المتأثرة بمفردات من دول عربية وغير عربية، وهو ما يضعف السيطرة على اللهجة العراقية الأصيلة في ظل الانفتاح العالمي عبر هذه المنصات. وتتقاطع هذه الملاحظة مع ما تخلص إليه دراسات أكاديمية عراقية حول ظاهرة "العربيزي"، أي كتابة اللهجة العامية بأحرف لاتينية وأرقام بديلة عن الحروف العربية، والتي تفتقر إلى قواعد لغوية أو نحوية واضحة، ما يسهم في ما تصفه هذه الدراسات بـ"التلوث اللغوي" لدى فئة الشباب تحديداً.

وفي المقابل، لا يخلو الأثر من جانب إيجابي؛ إذ يرى بلشان أن اللهجة العراقية اكتسبت في السنوات الأخيرة رواجاً واسعاً في عدد من الدول العربية عبر الفكاهة والأغاني المنتشرة على منصات التواصل، ما جعلها محببة ومقبولة لدى مجتمعات عربية متعددة. كما تشير دراسة أخرى منشورة في مجلة محكّمة إلى أن اللهجات العامية عموماً باتت تفرض حضورها بقوة على اللغة العربية الفصحى ذاتها من خلال منصات التواصل الاجتماعي، في مؤشر على مدى تأثير هذه المنصات في إعادة تشكيل العلاقة بين الفصحى والعامية.

طريق الحماية

يشدد عامر على أهمية إدراج اللهجات المهددة ضمن مناهج الدراسات الثقافية والاجتماعية، لا كمقررات لغوية إلزامية، بما يعزز الفخر بالتعدد اللغوي، مقترحاً أساليب تفاعلية كالقصص المصورة والمسرح المدرسي والمحتوى السمعي والبصري باللهجات المحلية. ويدعو أيضاً إلى دور حكومي محوري عبر الاعتراف الرسمي بهذه اللهجات، وإنشاء مراكز متخصصة لأرشفتها صوتياً وبصرياً بالتعاون مع الجامعات، وتخصيص موازنات لدعم أنشطة حمايتها، إلى جانب سنّ قوانين تحظر التمييز أو السخرية من أي لهجة محلية.

ويكشف عامر عن غياب دراسة حكومية رسمية شاملة تصنف اللهجات العراقية وفق معايير خطر الانقراض، موضحاً أن معظم المعلومات المتوفرة حالياً تأتي من أبحاث أكاديمية فردية ومساهمات منظمات ثقافية ودينية وتقارير محدودة من اليونسكو.

من جهته، يدعو الباحث في الأدب والتراث الشعبي عادل حسوني العرداوي إلى إنشاء مراكز بحثية متخصصة تقوم بجولات استطلاعية في مناطق العراق المختلفة لتوثيق اللهجات المهددة قبل فوات الأوان، مع إقراره بأن الأرضية المناسبة لمثل هذه المبادرات غير متوفرة حالياً، نتيجة ضعف الوعي بأهمية هذه اللهجات في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء.

خلاصة يقف العراق اليوم عند مفترق طرق لغوي، فمن جهة، تتعرض عشرات لهجاته المحلية لخطر حقيقي بفعل الهجرة والنزوح والتحضر وغياب التوثيق المؤسسي، ومن جهة أخرى تعيد وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل اللهجة العراقية العامة نفسها، بين خطر الذوبان في لهجات هجينة وفرصة انتشار غير مسبوقة خارج الحدود. وبين هذين المسارين، يبقى التوثيق العلمي والدعم المؤسسي، بحسب المختصين، السبيل الوحيد للحفاظ على هذا الإرث اللغوي المتنوع.

العودة إلى الأعلى