ألقاب المعصومين عليهم السلام- عبرة وتذكرة في الدنيا والآخرة
لعل اشتراك الأئمة في ألقاب كثيرة يدل فيما يدل على ذلك الحديث الشريف القائل: "أولنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد وكلنا محمد." (بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج26- ص16)، فهو يترجم كمال صفاتهم ووحدة حالهم.
لكننا كبشر نحتاج لمثالٍ أعلى نقتدي به وننسج على منواله، فننظر إليهم تارة بعينٍ واحدة، وأخرى بعيونٍ متعدّدة... وليس تعدد نظرتنا إليهم قائمًا على استبعادنا لوحدة ما يمثلونه من حق، لكن خصوصية كل منهم تزرع في قلوبنا تعلّقًا خاصًّا بفعلٍ أو عملٍ قام به، وصفةٍ أو نعتٍ اتصف به، دون أن يكون في ذلك انتقاصًا من تعلّقنا بغيره من المعصومين، فحبنا لأحدهم هو حبنا لكلهم، لكننا نبني علاقاتنا معهم على أساس نقصنا وكمالهم...
في صدد هذا التشابه في الصفات، نجد أن الإمامين جعفر بن محمد وموسى بن جعفر عليهما السلام كانا يلقبان بالصادقَين والكاظمَين، في جملة ألقابهما الشريفة.
لا يحتاج المرء لكثير تحليل حتى يكتشف السبب وراء ترسخ هاتين الصفتين كأبرز ما اتصف به كلا الإمامين، ذلك أن لقب الصادق الذي ورثه الأئمة عن جدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من أبرز صفاتهم جميعًا، في زمن كثر فيه الكذّابون المفترون على الدّين المدّعون للحق دونما وجه حق، وكثر فيه المنتحلون لصفة الإمامة والقيادة والخلافة، حتى اختلط الحابل بالنابل وكادت تلتبس الأمور على عوام الناس وخواصهم، لولا رحمة الله التي شاءت أن يكون الإمام المعصوم هو الإنسان الوحيد الذي تجتمع في شخصه صفات الكمال والصدق بحيث لا يقدر على تكذيبه حتى أعداؤه، تمامًا كما كان جده النبي الذي لم يكن يجرؤ على تكذيبه أحد حتى المشركون، والمفارقة أنهم كانوا يصدّقونه في كل أمر، حتى إذا وصل الدور إلى أمر النبوة كذّبوه، لمخالفة ذلك لمصالحهم الدنيوية... ولذا فقد كان لقب الصادق مرتبطًا بالأئمة عمومًا، لكنه كان ملازمًا أكثر للصادقَين جعفر وولده موسى عليهما أفضل الصلاة والسلام.
فأما جعفر عليه السلام فقد أطلق اللقب عليه جده النبي، قبل مولده بأجيال، وتفصيل ذلك في الرواية الآتية:
"أنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله، قالَ: إذا ولدَ ابني جعفرٌ بنُ محمّدٍ بنِ عليٍّ بنِ الحُسينِ بنِ عليٍّ بنِ أبي طالب عليهم السّلام فسمّوهُ الصّادقَ، فإنّ للخامسِ مِن ولدِه ولدًا اسمُه جعفر يدّعي الإمامةَ إجتراءً على اللهِ وكذباً عليه، فهوَ عندَ اللهِ جعفرُ الكذّابُ المُفتري على اللهِ عزّ وجلّ، والُمدّعي لِما ليسَ لهُ بأهلٍ... ("كمال الدين وتمام النعمة"، الشيخ الصدوق، ص) 319 و320)"
... فالصادق إذًا كان لقبًا نبويًّا خالصًا خصّ به النبي حفيده ليميز به الطيب من الخبيث... فضلًا عن كونه لقبًا عامًّا يحكي صفات الصدق في القول والعمل، مما اشتهر به أهل بيت الرحمة أجمعون.
وأما الكاظم فقد لُقِّب به كلا الإمامين السادس والسابع عليهما السلام، جعفر وموسى، وهو يحكي في جانبٍ منه حكاية كظم الغيظ التي تفترضها الظروف العسيرة التي واجهاها أثناء قيامهما بأعباء الإمامة، بل أثناء مواجهتهما للمجتمع الموالي والمؤالف، فقد كان زمانهما زمانًا عسيرًا، اختلطت فيه الوجوه وكثرت الفتن ما ظهر منها وما بطن، ودخل في الإسلام القاصي والداني، وانفتحت أبوابه على فلسفات الفرس والهند واليونان والروم، وكثرت الملل والنحل والبدع، مما استدعى استكمال المواجهة العلمية والعقائدية، وترسيخ العقيدة الإسلامية الصحيحة التي أسس لها الأئمة السابقون، فكان دور الإمامين الكاظمين جعفر وموسى مكملًا لدور أسلافهما، وأخذ التشيع صورته الحالية على يدي الإمام الصادق حتى سمي الشيعة بالجعفرية.
ولعل أبرز ألقاب الإمام جعفر الصادق التي تحكي سيرته وصفاته هي: الفاضل (لفضله العظيم الذي لا يختلف فيه اثنان)، والطاهر (لطهارة نسبه وارتباطه بنبي الرحمة (ص))، والصابر (لصبره على ما ابتلي به من إنكار المنكرين وجحود الجاحدين)، والكافل (لأنه كان كافلًا للفقراء والأيتام والمحرومين، حيث يتولى رعايتهم والإنفاق عليهم وإعالتهم سرًّا وعلانية)، والمنجي (لأنه كان منجيًا من الضلالة، حيث هدى بعلمه وفقهه كل من التجأ إليه وأنقذ من اتصل به من الانحراف الفكري والعقائدي)...
كما أنه سمي في بعض الروايات بالقائم، وهو لقب مختص بالإمام المهدي، ومعناه بحسب الرواية المذكورة عن الإمام الرضا (ع): "أنه- أي المهدي عج- يقومُ بعدَ موتِ ذكرِه وارتدادِ أكثرِ القائلينِ بإمامتِه."( كتاب إثباتِ الهُداةِ بالنصوصِ والمُعجزات) للحرّ العامليّ، (ج2/ص93)، نقلاً عن كتابِ (كمالِ الدّينِ والنعمةِ للشيخِ الصّدوق (ره)، (ص378)، على أن معنى لقب "القائم" المتعلق بالإمام جعفر الصادق يختلف، فلعله بسبب قيامه بالحق في زمن الشبهات...
أما الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، والذي يشترك مع أبيه في لقبي الصادق والكاظم، فقد غلب عليه لقب الكاظم حتى كاد يعرف به دون اسمه، ولعل سبب ذلك غلبة كظم الغيظ على طباعه، لحلمه وصبره على ما واجهه من بلاء، وهو الإمام الأكثر اضطهادًا من قبل حكام عصره، حيث بلغ بهم الأمر أن حبسوه مرارًا، تارة سرًّا عبر الإقامة الجبرية، وأخرى علانية من خلال السجن والتعذيب، ... حتى استشهد مسمومًا في طامورة ضيّق عليه فيها أحد أزلام السلطة وجلاوزتها-الملعون سندي بن شاهك-، وربط بساقه كرة حديدية تزن ثلاثين رطلا!...
وأمّا ألقابه عليه السلام فهو بالإضافة إلى ما سبق كان يعرف بالعبد الصالح (ومن أجدر منه بلقب كهذا) والنفس الزكيّة (وهو القمة في تزكية النفس) وزين المجتهدين (حيث كان القمة في الاجتهاد والعلم رغم كل ما واجهه من طغاة عصره من هضم وظلم)، والوفيّ والصابر والأمين (وهي صفات الأئمة جميعًا)، والزاهر، وسمّي بذلك لأنّه زهر بأخلاقه الشريفة وكرمه المضيء التامّ...
ومن المعروف أن بعض هذه الألقاب كان الشيعة يطلقونها على الإمام عند حديثهم عنه من باب التقية، بدل ذكره بالاسم الصريح، لكي لا يعرف أهل السلطة عمن يتحدثون، فينالهم الاضطهاد والقتل والتشريد والتنكيل، ذلك أن الحكام العباسيين والأمويين من قبلهم، لم يتورعوا عن إيذاء الأئمة نفسهم ثم قتلهم، فكيف يتورعون عن قتل أنصارهم وشيعتهم ومحبيهم، وقد فعلوا وأكثروا فيهم التنكيل؟!...
وقد كان يعرف الإمام الكاظم أيضًا بباب قضاء الحوائج عند الله، وذلك لنجح قضاء حوائج السائلين، ومطالب المتوسّلين إلى الله تعالى به، وهي مكرمة من مكارمه التي خصه الله تعالى بها...
مهما نزيد في الحديث عن أئمتنا الطاهرين وألقابهم وصفاتهم، فنحن نغرف من بحر، ونستسقي من ينبوع لا ينضب، ولذا فالكلام يأخذ برقاب بعضه بعضا، فهم كلمات الله؛ ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (سورة الكهف: الآية 109)
وللحديث بقية، مع تتمة المقالة والحديث عن ألقاب الأئمة التالين، صلوات الله عليهم أجمعين، وعن دلالاتها والعبر المستقاة منها...


