ألقاب المعصومين عليهم السلام- عبرة وتذكرة في الدنيا والآخرة
نتابع في الجزء الثالث من هذه المقالة رحلتنا المثمرة في فضاءات تاريخ أهل البيت عليهم السلام، لنستضيء بالمزيد من أنوارهم الشريفة، المتجسدة في تلك الألقاب التي حملوها واتصفوا بها على مدى التاريخ، فحكت شيئًا من أخبارهم وصفاتهم.
نصل في رحلتنا إلى إمامنا الخامس الإمام محمد بن علي عليهما السلام، ومن أشهر ألقابه: الأمين والشبيه والشاكر والهادي والصابر والشاهد والباقر وغيرها...
إن نظرة عامة في هذه الألقاب الشريفة للإمام محمد بن علي الباقر (المكنى بأبي جعفر الأول، تمييزًا له عن الإمام محمد بن علي الجواد (المكنى بأبي جعفر الثاني) (عليهما السلام)) ترفعنا من حضيض الجهل به إلى سماء المعرفة، ولكل لقبٍ كما أسلفنا سابقًا دلالات وعلامات.
إن من الطبيعي أن يكون المشترك بين معظم هذه الألقاب هي الصفات الخلقية الذاتية للإمام، والتي يشترك فيها الأئمة أجمعون، فهي تحكي كماله الخلقي النفسي والروحي (الأمين أسوة بجده الرسول (ص) وآبائه، والشاكر والصابر...) والتي توثّق تميّزه وعصمته الخلقية، وكماله الاجتماعي (الهادي) وهي من صفات جده الرسول (ص) أيضا، وهي العنوان العريض والواضح لشخصيته الاستثنائية القيادية، التي قادت جيلًا كاملًا من المسلمين في عصره وأجيالًا متلاحقة في عصورٍ لاحقة نحو منابع النور الإسلامي الحق، ذلك النور الذي كادت تطمسه أباطيل وخبائث السلطة الأموية الطفيلية، مما أقلق أهل الحكم على مناصبهم ودنياهم، رغم عدم تصديه للحكم بشكلٍ مباشر، ودفعهم لمعاداته واضطهاده واغتياله في النهاية...
ولئن كانت هذه الصفات من مميزاته، فهي تحكي أحداث حياته، فإن أبرز ما اتصف به الإمام أبو جعفر الأول صفات ثلاث: "الشبيه" و"الشاهد" و"الباقر"...
· الشبيه: وذلك لشبهه برسول الله (ص)، كما أجمع أهل عصره ممن شاهد الرسول وسمع عنه، كجابر بن عبد الله الأنصاري... وليس ذلك الشبه نابعًا فقط من تحدّر الإمام من نسل النبي، فهو لم يكن العلوي الوحيد في أهل المدينة، لوجود عدد معتبر من الحسنيين والحسينيين من أبناء عمه وإخوته من أبناء الحسن والحسين (عليهما السلام)، لكن الشبه الذي جعل أهل الحديث والرواية في ذلك العصر يتحدثون به، هو الشبه الخَلقي والخُلقي، ووراثة المهمة التي اضطلع بها الإمام عن جده في هداية الناس وتصويب معتقداتهم وأفكارهم وتصحيحها وتشذيبها مما داخلها من شوائب الجهل والعلم؛ فأما شوائب الجهل فمبعثها ما أراده الحكام الأمويون من تجهيل المسلمين بدينهم، حتى يتمكنوا من رقابهم، وهو ما يفهم من الحوار الآتي الذي دار بين معاوية وابن عباس:
حيث قال له: يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن؟
قال: لا.
قال: أتنهانا عن تأويله؟
قال: نعم.
قال: فنقرؤه ولا نسأل عما عنى الله به؟
ثم قال ابن عباس: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟
قال: العمل به.
قال: فكيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله؟
قال: سل عن ذلك من يتأوله غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك.
قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان يا معاوية! أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام، فإن لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف.
قال معاوية: اقرءوا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم، وارووا ما سوى ذلك.
قال ابن عباس: فإن الله يقول في القرآن: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾...
(الإحتجاج على أهل اللجاج: 2 / 294 لأحمد بن علي الطبرسي)
إن النتيجة الطبيعية لهذا التعتيم العقائدي والإعلامي الذي خطط له معاوية لتعمية الحقائق وتضليل الناس عن حق أهل البيت (ع) وصوابية نهجهم، هي ما وصل إليه حال المسلمين في تلك الحقبة من عصر الإمام أبي جعفر الأول، مما استدعى أن يشابه الإمام جده النبي في صفاته ومسؤولياته، فقد عايش جاهلية المسلمين، الذين صار الأمويون أئمة لهم، فأخذوا دينهم من الطلقاء بدل أن يأخذوه من أهل السماء، وهنا برز دور الإمام ولقبه الأساس الذي اشتهر به حتى غدا مرادفا لاسمه الشريف، يعرف به دون تفصيل، ألا وهو (الباقر)...
أجمع الفقهاء وأهل الحديث وعلماء اللغة أن هذا من أكثر ألقابه ذيوعا وانتشارا، "وقد لقب هو وولده الامام الصادق (بالباقرين) كما لقبا (بالصادقين) من باب التغليب، ويكاد يجمع المؤرخون والمترجمون للإمام من المؤالفين والمخالفين على أنه إنما لقب بالباقر لأنه بقر العلم أي شقه، وتوسع فيه فعرف أصله وعلم خفيه." (عيون الأخبار وفنون الآثار، إدريس عماد الدين القرشي (ص ٢١٣) وعمدة الطالب لنيل المآرب، منصور بن يونس البهوتي (ص ١٨٣)
لقد شمّر الإمام محمد الباقر عن زند العلم وأخرج علوم آبائه من مكنونها لينير البصائر التي أعشاها ظلام الفتن وتكاثف المحن وتداخل الآراء، فأثمر وعيًا لمن أراد أن يعي، وعلمًا لمن أراد أن يتعلم، ومعرفةً وتقى وصلاحًا لمن أراد ذلك... أما من عُمِّيت عليهم الأبصار والبصائر، من المخالفين من بني أمية وأنصارهم وعوامّهم وجهّالهم، فلم يزدهم علم الإمام إلا حقدًا عليه وجهلًا بحقه، فغدا شاهدًا على نفاقهم المتجذر في نفوسهم المريضة، ولم يكن الفرق كبيرًا بين ما واجهوه به من نكران، وما واجهوا به أسلافه من الأئمة الطاهرين وأبناءه المنتجبين، وعلى رأسهم ولده الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
ولجعفر بن محمد وألقابه أبعاد وآماد، نلقي عليها الضوء في الجزء المقبل من هذه المقالة، عسانا نطّلع على بعض أحواله، وهو عميد الأئمة عليهم السلام وكبيرهم وشيخهم الجليل، الذي حذا حذو آبائه في هداية الأمة، وزاد عليهم بما اختصت به فترة إمامته من انفراجات أتاحت له أن يرسخ قواعد مذهب أهل البيت، حتى تسمى الشيعة الإمامية باسمه، فإذا هم الجعفريون...


