جيل شبابي جديد يقود التاريخ ويرشد السياح بالإنجليزية بين بابل وأور وبغداد

عند بوابة عشتار المُعاد بناؤها في مدينة بابل الأثرية، جنوب بغداد، يقف شاب عراقي أمام مجموعة من الزوار الأجانب، يشرح لهم بالإنجليزية قصة الملك نبوخذ نصر الثاني وأسد بابل الحجري. هذا المشهد، الذي كان نادراً قبل سنوات قليلة، بات أكثر تكراراً في المواقع الأثرية العراقية، مع بروز جيل جديد من المرشدين السياحيين الشباب الناطقين بالإنجليزية في بابل وأور وبغداد.

نمو ملحوظ في عدد المرشدين

تشير تقارير سياحية متخصصة إلى أن عدد المرشدين السياحيين الناطقين بالإنجليزية ولغات أخرى ازداد بشكل ملحوظ خلال عام 2026، وبشكل خاص في المواقع الرئيسة كبابل وبغداد وأور، في وقت تعمل فيه الحكومة العراقية بالتعاون مع منظمات دولية على تطوير البنية التحتية السياحية وتأهيل مرشدين محليين متعددي اللغات.

في مدينة بابل تحديداً، تتولى "وحدة الإرشاد الأثري" مهمة استقبال الزوار وتقديم شروحات موثقة عن المدينة. ويقول محمد طاهر عباس، مسؤول الوحدة، إن فريق العمل يضم نخبة من الكتّاب وعلماء الآثار والمترجمين، الذين يعتمدون على أدلة أُعيد طبعها بالتعاون مع مؤلفين محليين ومهرجان بابل للثقافات. وتمتد جولات الوحدة من المسرح البابلي وبوابة عشتار، مروراً بمتحف بابل وشارع الموكب، وصولاً إلى أسد بابل وبقايا قصر نبوخذ نصر.

أما على صعيد الخدمات اللوجستية، فيوضح المرشد السياحي أحمد الجنابي أن أغلب الزوار يفضلون الإقامة في فنادق مدينة الحلة القريبة من الموقع الأثري، فيما يختار البعض ربط زيارتهم ببابل ضمن جولات منظمة توفر مرشداً ووسيلة نقل، بدلاً من الاعتماد على وسائل النقل العام الأقل راحة.

دفعة حكومية نحو مليون سائح

يأتي هذا التحول ضمن خطة عراقية أوسع لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، الذي يشكّل نحو 88% من اقتصاد البلاد، إذ تستهدف الحكومة جذب مليون سائح للمواقع الأثرية خلال خمس سنوات. وقد أعلن وزير الثقافة والسياحة والآثار سابقاً أن عدد السياح الأجانب تجاوز 400 ألف زائر في عام 2024 وحده، بعد أن استقبل العراق أكثر من 2.5 مليون زائر أجنبي خلال ستة أشهر فقط بين نهاية 2022 ومنتصف 2023، مستفيداً من اختيار بغداد عاصمةً للسياحة العربية عام 2025. كما ساهم إطلاق نظام التأشيرة الإلكترونية، الذي يشمل مواطني أكثر من 60 دولة، في تسهيل دخول السياح الأجانب.

اكتشافات جديدة وسياحة داخلية

في محافظة ذي قار جنوباً، تشهد مدينة أور، التي تنسب إليها الروايات ولادة النبي إبراهيم، اهتماماً متزايداً بعد الانتهاء من أعمال ترميم واسعة في زقورتها السومرية، ترافقت مع اكتشافات أثرية جديدة تجاوزت 1500 قطعة في المنطقة. ونظّمت هيئة السياحة العراقية جولات ميدانية إلى أور ومناطق الأهوار المجاورة ضمن برنامج لتنشيط السياحة الداخلية والتعريف بالمقومات التاريخية والبيئية لهذه المناطق.

انطباعات الزوار

وينعكس هذا التطور في انطباعات الزوار الأجانب أنفسهم. فالسائح الصيني فيكتور لو وصف وقوفه في بابل بأنه شرف كبير له، بينما رأى السائح الكندي توني جونسون أن زيارة بابل أشبه بالعبور عبر الزمن. أما السائح الإسباني خوسيه غارسيا فاعتبر تجربته في بابل من أجمل ما مرّ به في حياته.

تحديات لا تزال قائمة

رغم هذا الزخم، تبقى تحديات التمويل والتصنيف الدولي حاضرة. فمدينة بابل، التي أُدرجت شرطياً على لائحة التراث العالمي لليونسكو عام 2019، لا تزال بانتظار صرف مخصصات مالية أُقرت في الموازنة الاتحادية تلك السنة ولم تُنفَّق حتى الآن، بحسب محافظ بابل عدنان فيحان، الذي أكد استمرار التنسيق مع الجهات الحكومية لتلبية متطلبات الإدراج النهائي.

ومع ذلك، يبقى هؤلاء المرشدون الشباب، بلغتهم الإنجليزية وشغفهم بتاريخ بلادهم، الوجه الإنساني الأقرب لزوار يبحثون عن حكاية بلاد الرافدين من أفواه أبنائها.

العودة إلى الأعلى