من مخيمات النزوح إلى المدن المحررة.. حكاية موقف إنساني رافق العراقيين في أحلك سنوات الحرب

لم تكن الحرب على عصابات داعش في العراق معركة عسكرية فحسب، بل خلفت واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة، بعدما اضطرت آلاف العائلات إلى ترك منازلها في الأنبار ونينوى وصلاح الدين ومناطق أخرى، هرباً من المعارك والإرهاب، لتجد نفسها أمام ظروف إنسانية قاسية فرضتها رحلة النزوح.

وفي تلك المرحلة المظلمة، برز الدور الإنساني للمرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف والعتبات المقدسة، التي لم تقتصر استجابتها على الدعوة إلى مواجهة الإرهاب، بل امتدت إلى رعاية النازحين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، ومساندتهم في المخيمات والمناطق التي لجأوا إليها، ثم مرافقتهم في مرحلة العودة إلى مدنهم بعد تحريرها.

كربلاء.. ملاذ للعائلات النازحة

منذ اندلاع العمليات العسكرية في محافظة الأنبار، بدأت كربلاء المقدسة باستقبال العائلات النازحة من الرمادي والفلوجة. وتشير الوثائق والمعلومات الواردة من تلك المرحلة إلى إيواء مئات العائلات في مدن الزائرين التابعة للعتبة الحسينية المقدسة.

وفي أحد نماذج الاستجابة المبكرة، أمر الأمين العام للعتبة الحسينية المقدسة الشيخ عبد المهدي الكربلائي بصرف مبالغ مالية للنازحين، شملت أكثر من 350 نازحاً من الأطفال والنساء والرجال، فضلاً عن توفير الطعام والمبيت والاحتياجات اللوجستية وبطاقات الاتصال التي تمكن النازحين من التواصل مع ذويهم في الأنبار.

ومع استمرار موجات النزوح، ارتفعت أعداد الوافدين إلى مدينة الزهراء للزائرين إلى أكثر من 900 شخص، لتوفر لهم العتبة وجبات الطعام اليومية، والمساعدات المالية، والكسوة الشتوية، فيما جرى التنسيق مع مديرية تربية كربلاء لإلحاق أبناء العائلات النازحة بالمدارس القريبة من أماكن إقامتهم، في محاولة للحفاظ على حق الأطفال في التعليم رغم ظروف الحرب.

ومع امتلاء إحدى مدن الزائرين، اتجهت العتبة إلى فتح مدينة الحسين للزائرين لاستيعاب أعداد إضافية، في مؤشر على تحول مرافق خدمة الزائرين إلى مراكز إيواء ومساندة إنسانية خلال الأزمة.

المرجعية.. الموقف الإنساني إلى جانب الموقف الوطني

لم يكن الاهتمام بالنازحين منفصلاً عن موقف المرجعية الدينية العليا من تداعيات الحرب على داعش. فقد شددت المرجعية، ممثلة بسماحة السيد علي السيستاني، على ضرورة إغاثة النازحين وحماية المدنيين ومساعدة المتضررين من العمليات العسكرية.

وفي لقاء جمع السيد السيستاني بوفد من منظمة أطباء بلا حدود، استمع سماحته إلى شرح عن النشاط الإنساني للمنظمة في العراق والمناطق التي تشهد نزاعات، وأشاد بجهودها، داعياً إلى مزيد من الاهتمام بالنازحين في المخيمات وبالمواطنين في المناطق المحررة.

كما أشار إلى الجهود التي تبذلها المرجعية في هذا المجال، إلى جانب دعم المرضى والمؤسسات الصحية، وهو ما يعكس اتساع مفهوم الاستجابة الإنسانية ليشمل الغذاء والمأوى والصحة والرعاية الاجتماعية.

لجنة لإغاثة عشرات الآلاف

تكشف الوثائق التوثيقية عن حجم أكبر للعمل الإنساني الذي قامت به لجان الإغاثة المرتبطة بالعتبات والجهات الدينية. فقد أشارت موسوعة فتوى الدفاع الكفائي إلى أن إحدى اللجان استقبلت نحو 25 ألف نازح، وعملت على توفير المأوى والمأكل، وتوزيع السلات الغذائية الشهرية على العائلات المسجلة لديها.

ولم تقتصر المساعدات على الغذاء، بل شملت الدعم النفسي للنازحين الذين عانوا الإحباط واليأس، وتوزيع الأجهزة الكهربائية والمنزلية والمساعدات العينية، فضلاً عن توزيع آلاف البطانيات خلال فصل الشتاء على العائلات المهجرة التي كانت تسكن في المواكب والحسينيات المنتشرة على الطرق المؤدية إلى كربلاء.

كما امتدت المساعدة إلى الموظفين النازحين، عبر السعي إلى إعادتهم إلى وظائفهم في دوائر مماثلة داخل محافظة كربلاء، بما يساعدهم على استعادة جزء من حياتهم الطبيعية التي قطعتها الحرب.

من كربلاء إلى الموصل والشرقاط

مع اتساع العمليات العسكرية وتحرير مناطق جديدة من سيطرة داعش، تحولت جهود الإغاثة من استقبال النازحين في كربلاء إلى إيصال المساعدات إلى مناطق النزوح نفسها.

وفي إحدى القوافل المتجهة إلى النازحين من الموصل في قضاء الشرقاط، أرسلت العتبة الحسينية المقدسة كميات كبيرة من المواد الغذائية ومياه الشرب، تضمنت 100 طن من الرز و20 طناً من الحليب و50 طناً من المواد الغذائية الأخرى، إضافة إلى شاحنة لمياه الشرب.

وكان الهدف من تلك القوافل سد النقص الحاد في المواد الغذائية والطبية، بالتنسيق مع الجهات الميدانية التي كانت تعمل في مناطق العمليات.

ولم تكن تلك القافلة الوحيدة، إذ تشير المعطيات إلى تسيير العتبة الحسينية قوافل أخرى إلى النازحين من الأنبار والشرقاط والحويجة، في محاولة للوصول إلى العائلات التي حالت ظروف الحرب دون وصولها إلى مراكز الإيواء في المدن الآمنة.: المساعدات لم تتوقف عند المخيمات

مع بدء عودة الأهالي إلى المدن المحررة، تغيرت طبيعة الاحتياجات الإنسانية. فالعائلات العائدة لم تكن تجد دائماً منازل صالحة للسكن أو مستلزمات أساسية للحياة.

وفي هذا السياق، أرسلت العتبة الحسينية قافلة مساعدات إلى مدينة الفلوجة بعد عودة عدد من سكانها، تضمنت مواد منزلية وأجهزة كهربائية، بينها ثلاجات وطباخات، إضافة إلى 12 طناً من المواد الغذائية، وجرى توزيعها على الأحياء الفقيرة في المدينة.

وتكشف هذه الخطوة عن انتقال العمل الإغاثي من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مساعدة السكان على استعادة حياتهم بعد انتهاء المعارك، خصوصاً في المناطق التي تعرضت بنيتها التحتية وممتلكات سكانها إلى أضرار كبيرة.

أكبر قوافل الإغاثة إلى الموصل

ومع انطلاق عمليات تحرير الموصل، جاء نداء المرجعية الدينية العليا لإغاثة النازحين والمتضررين من القتال، لتتحول الاستجابة إلى حملة واسعة.

وبحسب المعطيات الواردة في المصادر التوثيقية، أطلقت من كربلاء قافلة كبيرة لإغاثة نازحي الموصل، ضمت مئات الأطنان من المواد الغذائية، ومستشفى متنقلاً، إضافة إلى أكثر من ست ناقلات تحمل خياماً للنازحين.

وكانت الخطة تتضمن الاستقرار في مخيمات النازحين، وتقديم الخدمات الطبية، وطبخ الطعام وتوزيعه على العائلات، والاستمرار في تقديم الخدمات إلى حين انتهاء العمليات العسكرية وعودة النازحين إلى مناطقهم.

وهنا برزت إحدى أهم سمات الاستجابة الإنسانية؛ إذ لم تكن المساعدات تقتصر على إرسال المواد الغذائية، بل حاولت توفير منظومة متكاملة تشمل المأوى والغذاء والماء والرعاية الصحية والدعم الاجتماعي.

الإنسان قبل كل شيء

في قراءة تلك المرحلة، يظهر أن الدور الذي اضطلعت به المرجعية والعتبات المقدسة لم يكن محصوراً في الاستجابة المادية للأزمة، بل ارتبط بفكرة الحفاظ على كرامة الإنسان العراقي في ظل ظروف استثنائية.

فالنازح الذي فقد منزله كان بحاجة إلى مكان آمن، والطفل كان بحاجة إلى مدرسة، والمريض كان بحاجة إلى علاج، والعائلة كانت بحاجة إلى الغذاء والكسوة، والموظف كان بحاجة إلى العودة إلى عمله، والعائد إلى مدينته كان بحاجة إلى أدوات تساعده على إعادة بناء حياته.

ومن هنا جاءت الاستجابة متعددة المستويات، من المساعدات المالية والغذائية إلى الإيواء والتعليم والصحة والدعم النفسي، فضلاً عن مساعدة العائلات بعد العودة إلى مناطقها.

ذاكرة إنسانية من سنوات الحرب

بعد سنوات من انتهاء المعارك الكبرى ضد داعش، تبقى تجربة النزوح واحدة من أكثر الملفات الإنسانية حضوراً في ذاكرة العراقيين. فقد تركت الحرب خلفها مدناً مدمرة، وعائلات فقدت منازلها، وأطفالاً انقطعت دراستهم، ومرضى احتاجوا إلى الرعاية، وآلاف الأسر التي وجدت نفسها مضطرة إلى البدء من جديد.

وفي خضم تلك الظروف، شكلت مبادرات المرجعية الدينية والعتبات المقدسة جانباً من شبكة الاستجابة المجتمعية التي ساعدت النازحين على تجاوز المرحلة الأكثر قسوة.

وبينما كانت القوات الأمنية تخوض معارك التحرير في الجبهات، كانت في الجانب الآخر معركة إنسانية مختلفة تدور في المخيمات والمدن الآمنة والمناطق المحررة؛ معركة توفير الغذاء والماء والدواء والمأوى، والحفاظ على التعليم، وإعادة الأمل إلى عائلات دفعتها الحرب إلى النزوح.

وهكذا لم تكن قوافل الإغاثة التي خرجت من كربلاء إلى الأنبار والموصل والشرقاط والحويجة مجرد شاحنات تحمل الغذاء والماء، بل مثلت رسالة تضامن مع عراقيين عاشوا واحدة من أكثر الفترات ظلمة في تاريخ البلاد، ورسخت أن مواجهة آثار الإرهاب لا تنتهي بتحرير الأرض، وإنما تستكمل بإغاثة الإنسان، وإعادة بناء حياته، ومساعدته على العودة إلى منزله بكرامة وأمان.

المصادر التوثيقية:

موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 42، الصفحة 51.

تصريحات ووثائق منشورة للعتبة الحسينية المقدسة بشأن إغاثة النازحين.

بيانات ومواقف المرجعية الدينية العليا المتعلقة بإغاثة النازحين والمتضررين من الحرب على تنظيم داعش

المرفقات

العودة إلى الأعلى