الرقمنة الثقافية تعيد تعريف زيارة المتحف
من رايكس في أمستردام إلى الموصل في العراق، تتحول شاشة الهاتف إلى بوابة لملايين القطع الأثرية والفنية، في ظاهرة تتسع عاما بعد عام وتطرح أيضا أسئلة عن حدودها.
في السنوات الأخيرة، فتحت عشرات المتاحف الكبرى في العالم أبواب مجموعاتها الرقمية مجانا لأي شخص يملك اتصالا بالإنترنت، في ظاهرة باتت تعرف بالرقمنة الثقافية، ووصلت أصداؤها أيضا إلى العراق، حيث حاول ناشطون ومتطوعون إعادة بناء قطع أثرية دمرت خلال الحرب على تنظيم داعش، رقميا هذه المرة.
كان متحف رايكس الهولندي في أمستردام من أوائل من راهن على هذه الفكرة. فمنذ عام 2012 تبنى المتحف سياسة بيانات مفتوحة جعلت مجموعته بأكملها متاحة بأعلى دقة ممكنة، مجانا للتحميل وإعادة الاستخدام دون قيود تقريبا، بموجب ترخيص المشاع الإبداعي، بحسب بيانات المتحف نفسه، كانت إتاحة أكثر من 700 ألف صورة رقمية لأعمال فنية خالية من العلامات المائية، ضمن منصة تفاعلية تسمح للمستخدمين بتحميل الأعمال وحتى إعادة توظيفها في تصاميم خاصة بهم.
بعد نحو خمس سنوات، أعلن متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، أحد أكبر متاحف العالم، خطوة مماثلة. ففي مطلع عام 2017، كشف مدير المتحف نذاك، توماس كامبل، عن سياسة جديدة سميت الوصول المفتوح، أتاحت أكثر من 375 ألف صورة لأعمال في الملكية العامة للاستخدام الحر، سواء لأغراض علمية أو حتى تجارية، بالتعاون مع مؤسسات مثل كرييتف كومنز وويكيبيديا ومنصة بينتريست.
مليون قطعة عمرها 174 عاما
الخطوة الأكثر ضخامة جاءت من مؤسسة سميثسونيان الأمريكية، التي تضم 19 متحفا ومراكز أبحاث وحديقة حيوان. ففي مطلع عام 2020، أطلقت المؤسسة أول منصة وصول مفتوح في تاريخها الممتد منذ 174 عاما، بدأت بـ2.8 مليون صورة عالية الدقة، ثم توسعت لاحقًا لتشمل 4.5 مليون قطعة، من أصل أرشيف ضخم يضم أكثر من 155 مليون قطعة ما تزال المؤسسة تعمل على رقمنتها تدريجيًا.
على صعيد مواز، لعبت منصة غوغل آرتس أند كلتشر، التي انطلقت عام 2011، دور المظلة التي تجمع عشرات المتاحف تحت سقف رقمي واحد. وبحسب الشركة، تضم المنصة اليوم أكثر من 2000 مؤسسة ثقافية في أكثر من 80 دولة، وأكثر من 200 ألف صورة عالية الدقة، وسبعة ملايين قطعة أرشيفية، إضافة إلى أكثر من 1800 جولة افتراضية بتقنية "ستريت فيو" تتيح التجول داخل قاعات العرض كما لو كان الزائر واقفًا فيها فعليًا.
الظاهرة لم تقتصر على العواصم الغربية. ففي العراق، أطلق متطوعون بعد عام 2015 مبادرة حملت اسم ريكري وكانت تعرف في بدايتها بمشروع الموصل، بهدف إعادة بناء قطع أثرية دمّرها تنظيم داعش في متحف الموصل. اعتمد المتطوعون على تقنية التصوير المساحي الضوئي، جامعين صورا التقطها زوار المتحف قبل التدمير من زوايا مختلفة، ثم أدخلوها في برامج حاسوبية لصياغة نماذج ثلاثية الأبعاد تحاكي القطع الأصلية. وقد سبق ذلك مشروع آخر أتاح المتحف العراقي الوطني افتراضيا بالتعاون مع غوغل ويوتيوب، عبر موقع إلكتروني ضم نحو 14 ألف صورة رقمية لمقتنيات المتحف بثلاث لغات.
رغم الحماس المحيط بهذه المبادرات، يثير كثيرون تساؤلات حول حدودها. فمقال تحليلي حديث نشر في نهاية 2025 ناقش ما إذا كانت المتاحف الافتراضية قادرة فعلا على أن تكون بديلا رمزيا عن آثار عربية مفقودة أو مهددة، مشيرا إلى أن النموذج الرقمي، مهما بلغت دقته، يبقى نسخة لا تغني بالكامل عن التجربة المادية والقيمة الأصلية للقطعة الأثرية، وأن الرقمنة تظل أداة توثيق وحماية أكثر منها تعويضًا كاملاً عن الخسارة.
إلى أين تتجه الظاهرة؟
مع استمرار المتاحف الكبرى في رفع وتيرة رقمنة مجموعاتها، وانضمام مؤسسات جديدة كل عام إلى منصات مثل غوغل آرتس أند كلتشر، يبدو أن الرقمنة الثقافية تحولت من مبادرة استثنائية إلى معيار متوقَع من أي مؤسسة ثقافية كبرى. لكن التجربة العراقية، من الموصل إلى بغداد، تكشف أيضا وجها آخر لهذه الظاهرة فحين تكون القطعة الأصلية مهددة بالتدمير أو النهب، تتحول النسخة الرقمية من رفاهية إلى وسيلة إنقاذ أخيرة للذاكرة الجماعية.


