ألقاب المعصومين عليهم السلام- عبرة وتذكرة في الدنيا والآخرة (2)

ليس التعرف على خصال أهل البيت عليهم السلام ترفًا زائدًا أو ثقافةً يضيفها المرء إلى معلوماته، بل هي ضرورة لا بد منها، فكيف لنا أن نعرف الإنسان منا حق معرفته إن كنا لم نطلع على أخباره وأحواله وصفاته، بل كيف إن كان هذا الإنسان هو المثال الذي اصطفاه الله ليكون قائدًا وقدوة؟!

إن الأجدر بنا لا أن نتعرف على خصاله فحسب، بل أن نغوص في عالمه ما استطعنا، وما يسّرت لنا مداركنا المحدودة، فلعل في ذلك الغوص ما يكشف لنا بعض ما خفي عنا من كمالات البشر، تلك القمم الرفيعة التي يسعى الإنسان جاهدًا ليتسلق أطرافها، ويتوسل الوسائل ليرى أعطافها، فيدرك شيئًا وتغيب عنه أشياء.

في الجزء الأول من المقالة استعرضنا بعض ألقاب المعصومين ودلالاتها، وكان مبدؤنا في ذلك ألقاب سيد الخلق محمد (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين علي وولديه الحسن والحسين عليهم أشرف التحية والسلام... فيكون وصولنا إلى الإمام الرابع ومن بعده من أئمتنا الأطهار، ولئن لم نستعرض في البدء ألقاب مولاتنا فاطمة الزهراء، وهي أم الأئمة وسيدة النساء، فلأننا رأينا في الحديث عنها حاجة لأن تكون ألقابها الشريفة محورًا لمقالٍ كاملٍ نختم به هذه السلسلة.

·       أبو الحسن علي بن الحسين (عليه السلام): أشهر ألقابه: زين العابدين وسيد العابدين والسجاد وذو الثفنات وإمام المؤمنين والزاهد والأمين والمُتَهَجِّد والزكي وابن الخيرتين، وغيرها...

إن المتأمل في ألقاب الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، يجد أن معظم ألقابه تتمحور حول عبادته وورعه، أي حول سلوكه في علاقته بالله، حتى أن لقب السّجّاد (أي كثير السجود) وزين العابدين (أي أجملهم) يكاد يغلب على اسمه، فإذا ذكرنا اللقب أغنانا عن ذكر الاسم، وما ذلك إلا لأن هذه الصفة بالذات، صفة الإغراق في العبادة، كانت غالبة على سلوكه من جهة، كما أنها كانت وسيلته للتبليغ من جهة أخرى، في ظل الظروف السياسية الضاغطة التي عاشها، والتي كان عنوانها اضطهاد شيعة أهل البيت وقتلهم وتشريدهم من قبل حكام بني أمية وأزلامهم، وعنوانها سبّ كبيرهم على المنابر، بعد إذ استمر سباب أمير المؤمنين على منابر بني أمية طوال ستين عامًا، هي مدة إمامة الحسين (عليه السلام) ومن بعده ولده الإمام السجّاد (عليه السلام)، ومن تلاه من الأئمة حتى سنة 99 هجرية، حين أصدر الحاكم الأموي عمر بن عبد العزيز أمرًا بإيقاف تلك البدعة المنكرة التي سنها معاوية...

إن صفة العبادة والاستغراق فيها لم تكن صفة عارضة عند الأئمة عليهم السلام عمومًا، بل كانوا جميعًا مشتركين فيها، حتى أن أحدهم كان يوصف بأعبد أهل زمانه، من قبل الموالي والمخالف... لكن عبادة الإمام السجاد كان لها وجه مختلف، فقد وظّفها الإمام للدعوة والتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعدما تعطّلت كل الوسائل الأخرى، بسبب التضييق والتشديد من ناحية، وبعدما وجد الإمام أنها الأنجع والأكثر فائدة في زمن اختلط فيه الصالح بالطالح، وصار خليفة المسلمين أكثرهم فسادًا، وصارت المدينة المنورة بؤرة من بؤر فساد بني أمية وأتباعهم ومؤيديهم ومحبيهم، بعدما كانت مركز صلاح الأمة ورشادها... وذلك بتدبيرٍ أموي خبيث، حيث أن الأمويين كانوا يعلمون أنها حاضرة أهل البيت ومقرهم ومركز علومهم، وأن كل من أراد الحق سيقصدها ويأوي إلى ظلهم، فأرادوا أن يصرفوا أهل العلم عنها من ناحية، وأن يختلقوا لها وجهًا آخر يشوّه بهاءها وطهرها... ولئن لم يوفقوا لذلك ببركة حضور الأئمة عليهم السلام وأصحابهم فيها، إلا أنهم سعوا وحاولوا وفسدوا وأفسدوا، وكان دور الإمام السجّاد الزاهد فيها هو دور المبلّغ برسالة جده لكل أمة جده، عبر شخصه الشريف وسلوكه الكامل من ناحية، وعبر ما كان يمليه على تلامذته وأصحابه من أدعية ومناجاة غدت مدرسة أخلاقية وعبادية لأجيال البشر منذ عصره إلى قيام الساعة... والصحيفة السجادية والمناجيات الخمس عشرة شاهدة على هذه الحقيقة...

لقد اختصرت ألقاب الإمام السجاد مسيرة جهاده، فإذا به وهو الزاهد العابد يقود الأمة بلا سيف ولا سلاح، إلا سلاح الكلمة الطيبة والدعاء، وإذا بسلاح الكلمة هو الأمضى والأشد تأثيرًا، بدليل قدرة الإمام على التبليغ وتبيان الحق وإظهار بطلان أحدوثة المنافقين، رغم ما كان يمرّ فيه من حصار مادي ومعنوي... ولا يمكننا أن نفصل بين صفات الإمام السجاد وما مرّ عليه بعد مأساة الطف، حيث رأى بأم عينه أباه وأخاه وعمه وسبعة عشر رجلًا من أهل بيته مجزّرين كالأضاحي، ورأى سبي عماته وأخواته وبنات الرسالة والاستهانة بحرمتهن، مما جعله يعيش المأساة بكل تفاصيلها، ولم يكن لجوؤه إلى الدعاء والعبادة بداعي الكآبة واليأس، وحاشا له أن يكون كذلك، بل بداعي الحزن العميق من جهة، والمثمر من جهة أخرى، فحزن الإمام السجاد رغم شدته لم يكن عقيمًا، بل أثمر ثورة فكرية وعقائدية حفظت الإسلام ونهج الإمامة لمن أتى بعده...

أما ألقابه الأخرى، كالزكي والأمين، فهي تذكرنا بألقاب أسلافه من المعصومين، وبخصالهم الكاملة (الأمين) التي دفعت الناس إلى احترامهم حتى أعداءهم، وبطهارة منبتهم (الزكي) الذي لا يختلف فيه اثنان، حتى أشد الناس بغضًا لهم.

أما لقب إمام المؤمنين فهو تأكيد على موقع الإمام من الأمة، ذاك الموقع الذي لم يتزلزل رغم كل محاولات بني أمية لتهميشه وتسطيحه، مصداقا لقول الله عز وجل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة الصف، الآية 8).

وأما لقب ابن الخيرتين، فهو يحكي قصة نسبه الشريف الذي جمع بين خيرة العرب (هاشم) وخيرة العجم (فارس) بحسب ما جاء به المحدثون، في إشارة إلى أمه الأميرة الفارسية شاهزنان بنت يزدجرد بن شهريار، آخر ملوك الفرس الساسانيين، ولعل من المفيد أن نلاحظ أن هذا النسب نفسه يحدثنا ببعد أهل البيت الكامل عن العنصرية العرقية، حيث كان اختيار الإمام الحسين عليه السلام لشاهزنان قائمًا على أسس أخرى غير العصبية القومية للعرب، والتي أحياها بنو أمية واستغلوها لصالحهم... ولم يكن لدى الإمام أي بأس في أن تكون زوجته وأم ولده ووريثه في الإمامة جارية مسبية فارسية، بل هو قد أعطى درسًا بذلك للمسلمين كافة في اختيار زوجاتهم، على أساس الخلق القويم والشرف والعفة والتقوى، لا على أساس العرق، حتى قيل أن العرب كانوا يأنفون من الزواج بجواريهم حتى تزوج الحسين من شاهزنان، فصار ذلك عندهم مألوفًا...

قد لا يستطيع المرء أن يختصر الدروس والعبر التي يجتنيها من دراسة صفات المعصومين، لكنه حين يأخذ منها بطرف يجد فيها ما يروي غليل الظامئين، فيكتفي به حتى حين...

وللحديث بقية في المقالات المقبلة إن شاء الله.

 



العودة إلى الأعلى