من المكتبات المنزلية إلى مكتبة العتبة الحسينية.. رحلة الكتاب في العراق

2026-07-01 10:22

اسرة التحرير

في زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية بوابة سريعة للوصول إلى ملايين الكتب والمراجع، لا يزال كثير من العراقيين يتمسكون بعادة اقتناء الكتب الورقية، معتبرين أن الكتاب ليس مجرد وسيلة للحصول على المعرفة، بل جزء من الذاكرة الشخصية والعائلية والثقافية. وبين رفوف المكتبات المنزلية الممتدة في البيوت، وأسواق الكتب التي ما زالت تستقطب آلاف الزوار، يواصل الكتاب الورقي حضوره رغم تسارع التحول الرقمي.

في بغداد والنجف وكربلاء والبصرة والموصل ومدن عراقية أخرى، لا تكاد تخلو منازل كثيرة من مكتبة صغيرة أو ركن مخصص للقراءة. بعضها يضم عشرات الكتب، فيما تحتوي أخرى على آلاف العناوين التي جمعها أصحابها على مدى سنوات طويلة، لتصبح شاهداً على رحلتهم الفكرية واهتماماتهم العلمية والأدبية.

هوية تتوارثها الأجيال

يقول أحد مقتني الكتب في بغداد: "الكتاب الورقي يمنحني تجربة مختلفة تماماً؛ رائحة الورق، وتقليب الصفحات، والملاحظات التي أكتبها على الهوامش، كلها تجعل القراءة أكثر قرباً من النفس. لذلك أحتفظ بكل كتاب أقتنيه حتى بعد الانتهاء من قراءته."

ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن المكتبة المنزلية في العراق لم تعد مجرد مكان لحفظ الكتب، بل أصبحت جزءاً من هوية الأسرة، إذ يحرص كثير من الآباء على نقل مكتباتهم إلى الأبناء، لتتحول الكتب إلى إرث ثقافي يعكس تاريخ العائلة واهتماماتها الفكرية.

ولا تقتصر أهمية المكتبات المنزلية على القراءة، بل تؤدي دوراً في حفظ الذاكرة الثقافية للعائلة. فكثير من المكتبات الخاصة تضم طبعات قديمة، ومخطوطات، وتعليقات دوّنها أصحابها على الهوامش، لتتحول مع مرور الزمن إلى وثائق توثق مسيرة فكرية تمتد عبر عقود.

وتؤكد دار الكتب والوثائق العراقية أهمية الحفاظ على المكتبات الشخصية، لما تمثله من قيمة علمية وتراثية، ولأن بعضها يضم كتباً ووثائق نادرة لا تتوافر في كثير من المكتبات العامة.

قلب الثقافة العراقية

ورغم انتشار منصات القراءة الرقمية، لا يزال شارع المتنبي في بغداد يحتفظ بمكانته بوصفه القلب الثقافي للعراق، حيث يتوافد إليه آلاف الزائرين كل يوم جمعة لاقتناء الكتب الجديدة والمستعملة، وحضور الندوات والفعاليات الفكرية التي تجعل من الشارع فضاءً مفتوحاً للحوار والثقافة.

ويؤكد أصحاب المكتبات أن الإقبال على شراء الكتب الورقية لم يتراجع كما كان متوقعاً مع انتشار التكنولوجيا، بل شهد تغيراً في طبيعة القراء، إذ أصبح كثير من الشباب يتعرفون إلى الكتب عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل البحث عن نسخها الورقية في الأسواق.

ورغم النمو المتسارع للكتب الإلكترونية، تؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن القراءة بجميع أشكالها تمثل ركناً أساسياً في بناء المجتمعات وتعزيز التعليم. كما تشير دراسات أكاديمية إلى أن القراءة من الكتب الورقية تساعد على تحسين الفهم والاستيعاب وتذكر المعلومات، خاصة عند التعامل مع النصوص الطويلة، مقارنة بالقراءة عبر الشاشات.

ويشير الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات (IFLA) إلى أن المكتبات ما تزال تؤدي دوراً أساسياً في حفظ المعرفة وإتاحتها، وأن التحول الرقمي لا يلغي أهمية الكتاب الورقي، بل يعزز التكامل بين الوسائل التقليدية والحديثة للوصول إلى المعلومات.

صرح علمي يخدم الباحثين

ولا يقتصر حضور الكتاب الورقي على المنازل، بل يتجسد أيضاً في المؤسسات الثقافية والعلمية التي تواصل تطوير خدماتها للباحثين والطلبة، ومن أبرزها مكتبة العتبة الحسينية المقدسة في كربلاء.

وتشير بيانات العتبة الحسينية المقدسة إلى أن المكتبة بصيغتها الحديثة تأسست عام 2004، فيما تعود جذورها إلى مكتبة تاريخية"، قبل أن تتطور إلى مركز متخصص لحفظ الكتب والمخطوطات.

وتضم المكتبة اليوم ما يقارب 60 الف عنوان في مختلف الاختصاصات، تشمل العلوم الإسلامية وعلوم القرآن والفقه والحديث واللغة العربية، إلى جانب آلاف الكتب الأكاديمية في الطب والهندسة والعلوم الإنسانية والإدارية، ما جعلها من أبرز المكتبات البحثية في العراق.

كما تقدم المكتبة خدمات متنوعة تشمل قاعات مطالعة مجهزة، والإعارة، والاستنساخ، والمكتبة الإلكترونية، وإتاحة استخدام الإنترنت للأغراض البحثية، فضلاً عن استقبال الباحثين وطلبة الجامعات في بيئة علمية هادئة.

ولتعزيز مقتنياتها، تحرص إدارة المكتبة على المشاركة في معارض الكتب العربية والدولية، مثل معارض الشارقة والقاهرة وبيروت وطهران، بهدف تزويد المكتبة بأحدث الإصدارات العلمية والأكاديمية التي يحتاجها الباحثون والجامعات العراقية.

ويرى مختصون أن هذه الجهود تؤكد استمرار الاستثمار في المعرفة الورقية، وأن المكتبات العراقية لا تؤدي دوراً في حفظ الكتب فحسب، بل تسهم في دعم البحث العلمي ونشر الثقافة وخدمة المجتمع.

التكنولوجيا منافس أم شريك؟

ورغم أن الوصول إلى الكتب أصبح أسهل من أي وقت مضى عبر الإنترنت، فإن كثيراً من القراء العراقيين يفضلون اقتناء النسخة الورقية حتى بعد تحميل النسخة الإلكترونية، معتبرين أن امتلاك الكتاب يمنحهم علاقة مختلفة معه، ويضمن الاحتفاظ به بعيداً عن تقلبات المنصات الرقمية.

كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تشجيع القراءة، إذ انتشرت نوادي الكتب والمراجعات الثقافية التي تدفع كثيراً من الشباب إلى شراء الكتب بعد التعرف إليها عبر الفضاء الإلكتروني.

في السنوات الأخيرة، تحولت المكتبة المنزلية إلى عنصر أساسي في تصميم المنازل العراقية، فلم تعد مجرد خزانة توضع في غرفة مغلقة، بل أصبحت جزءاً من غرفة المعيشة أو المكتب المنزلي، بما يعكس اهتمام أصحاب المنزل بالثقافة والمعرفة.

ويؤكد مختصون في علم الاجتماع أن وجود الكتب داخل المنزل يترك أثراً إيجابياً في الأطفال، ويشجعهم على المطالعة، كما يوفر مساحة للهدوء والتأمل بعيداً عن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية.

برغم الثورة الرقمية التي غيرت أساليب الوصول إلى المعرفة، لا يزال الكتاب الورقي يحتفظ بمكانة راسخة في المجتمع العراقي. فمن رفوف المكتبات المنزلية إلى قاعات المطالعة في المؤسسات الثقافية، يواصل العراقيون الاستثمار في الكتاب بوصفه وعاءً للعلم وذاكرة للأجيال.

ولذلك، لا تبدو المكتبة المنزلية مجرد مجموعة من الكتب، بل مساحة تحفظ تاريخ العائلة، وتعكس هوية أصحابها، وتؤكد أن القراءة ما زالت حاضرة في الحياة اليومية، وأن الكتاب الورقي، مهما تطورت التكنولوجيا، سيبقى حارساً للذاكرة ورفيقاً دائماً للباحثين عن المعرفة.

العودة إلى الأعلى