هواة الطوابع والعملات في بغداد... ذاكرة العراق التي يحفظها الشغوفون

2026-06-28 11:07

أسرة التحرير

في أحد أزقة شارع المتنبي الضيقة حيث تتصارع رائحة الورق القديم مع بخور المقاهي المجاورة، يجلس "أبو سارة" أمام طاولته الخشبية الصغيرة.

طاولة كمنصة يعرض عليها "تاريخاً" لا تدرسه المناهج المدرسية، وأمامه، مئات الأوراق الصغيرة الملونة والقطع المعدنية التي تحمل وجوه ملوك، ومعالم لم تعد موجودة، ورموزاً لزمنٍ يصفه الكثيرون للماضي.

بينما يضج الشارع خارجاً بصخب الحياة اليومية، وتطبيقات الهاتف الذكي التي تسرع وتيرة الحياة، يبدو أبو سارة وكأنه في زاوية زمنية خاصة، عدسته المكبرة مثبتة في عينه، يقلب عملةً معدنية صدئ أطرافها بفعل السنين، لكنها بالنسبة له أغلى من كل عملات العالم الحديث.

إنه محمية للذاكرة هنا، في قلب بغداد، يلتقي بضعة أشخاص يطلقون على أنفسهم الهواة، لكنهم في الحقيقة هم حراس الزمن، بالنسبة لهم، جمع الطوابع والعملات ليس مجرد هواية لملء وقت الفراغ، بل هو فعل مقاومة ضد النسيان.

حكاية العاطفة لا القيمة

عندما تسأل "أبو سارة" عن أغلى قطعة في مجموعته، يخرج من جيبه ألبوماً جلدياً مهترئاً ويشير إلى طابع بريدي عادي يحمل صورة جسر بغدادي قديم.

يقول بنبرة تحمل الكثير من الشجن: "هذا الطابع أرسله والدي لأمي في الخمسينات. لم تكن القيمة في الورقة وانما في الكلمات التي كتبت خلفها، وفي تلك المسافة التي قطعها هذا الطابع ليصل إلى وجهته.

نحن نجمع هذه القطع لأنها تحمل في طياتها قصص حب، رسائل وداع، وتفاصيل حياتية عاشها آباؤنا.

هذه هي الأنسنة التي يبحث عنها القارئ في عالم التكنولوجيا الجامد، فان هؤلاء الهواة لا يجمعون الورق، بل يجمعون اللحظات فكل قطعة معدنية سكت في عهد معين هي توثيق لحياة بشرية؛ فمن عملات العهد الملكي بلمستها الكلاسيكية، إلى عملات فترة الستينات والسبعينات التي تعكس طموحات تلك الحقبة، تظل هذه القطع هي الشاهد الوحيد الذي لا يغادر مكانه، بينما تبدلت الحكومات والأنظمة.

المثير للدهشة في زيارة سوق السراي أو التجمعات الأسبوعية لهواة العملات، هو الحضور المتزايد للشباب، وفي البداية، قد تظن أن هذه الهواية حكر على كبار السن، لكن الواقع يقول شيئاً آخر.

هناك جيل جديد من العراقيين، ولد في عصر الإنترنت، لكنه يبحث عن جذر يقول "علي"، شاب في العشرين من عمره، وهو يفتش بتركيز في أحد صناديق العملات: "أشعر أن حياتنا اليوم سريعة جداً وغير ملموسة. عندما أمسك عملة معدنية عمرها ستون عاماً، أشعر أنني أتصل بجذوري. هي وسيلتي لأفهم من أين أتينا".

هذا التلاقي بين "خبرة الشيوخ" و"فضول الشباب" يخلق نسيجاً اجتماعياً فريداً. هنا، هنا توجد نقاشات حول جودة الورق، وتاريخ الإصدار، والقصص التي يتناقلونها عن كيفية حصولهم على هذه القطع. إنه نوع من "الاستشفاء الجماعي" من ضغوط الحياة؛ ففي هذا الزقاق، الجميع سواسية أمام التاريخ.

كفاح ضد الاندثار

لا يمكن إغفال التحديات التي يواجهها هؤلاء الهواة، فان البحث عن القطع الأصلية يتطلب صبراً لا يملكه الكثيرون، خاصة في ظل تعرض الأرشيف الوطني للعديد من الأزمات.

يحكي "أبو سارة" عن رحلاته إلى المحافظات بحثاً عن "مكتبة منزلية" قديمة، حيث يقضي أياماً في التنقيب بين الأوراق القديمة ليجد طابعاً واحداً ناقصاً في مجموعته

هذا الجهد هو ما يجعلهم "أوصياء".

إنهم يدركون أنهم إذا توقفوا عن هذا العمل، فإن الكثير من التاريخ البصري للعراق سيتحول إلى خردة في الأسواق أو يضيع في القمامة. لذلك، يخصص الكثير منهم غرفاً كاملة في منازلهم لتكون متاحف شخصية، منظمة بدقة، ومؤرشفة بطرق تقليدية لا تعتمد على السحابة الإلكترونية، بل على حب الامتلاك والرعاية.

ماذا تعني هذه الهواية للعراق؟

بعيداً عن الأرقام، تمثل هذه الهواية "الهوية الملموسة"، فعندما نرى طابعاً بريدياً يصور طبيعة العراق أو معالمه الحضارية، نحن نرى وطناً نحبه ونريد الحفاظ عليه.

هؤلاء الهواة يقدمون درساً في "الوفاء للأصل"، إنهم يثبتون أن العراق أرض تعج بالتفاصيل الجميلة، والناس الذين يقدرون الجمال ويحفظونه رغم قسوة الظروف.

في ختام الجول في هذا العالم الصغير، ندرك أن سر بقاء هؤلاء الهواة هو الأمل. هم يجمعون الماضي، ليخبروا المستقبل بأننا كنا هنا، وأننا كنا نصنع الجمال وسط كل شيء.

إنهم حراس بوابات الذاكرة، يحملون في حقائبهم البسيطة وطناً لا يشيخ، وطناً نراه في لمعة عملة معدنية، أو في تداخل ألوان طابع بريدي، أو في ابتسامة "أبو سارة" وهو يجد أخيراً القطعة التي كان يبحث عنها منذ سنوات.

إنهم يذكروننا، في كل يوم جمعة، أن القيمة الحقيقية للأشياء بما نتركه خلفنا للأجيال القادمة كشهادة على وجودنا، وعلى حبنا لهذه الأرض التي لم تتوقف يوماً عن إنجاب الشغوفين.

العودة إلى الأعلى