ثورة في أروقة الواقع الافتراضي.. كيف يعيد الشباب العراقي تشكيل خارطة الاقتصاد والمجتمع؟

: اسرة التحرير 2026-06-18 12:02

في قلب بغداد، ووسط شوارع البصرة المزدحمة، وأزقة الموصل القديمة، تدور معركة صامتة وهادئة، صراع من أجل البقاء والريادة، بطل هذه المعركة هم الشباب، سلاحهم الوحيد هو هاتف ذكي، وساحة معركتهم هي منصات التواصل الاجتماعي.

لعقود، كان طموح الشاب العراقي يبدأ وينتهي عند بوابة الوزارة بانتظار التعيين. اليوم، أدرك الجيل الجديد أن التكنولوجيا هي جسر للعبور فوق روتين القطاع العام البطيء.

الشباب أنشأوا سوقاً خاصاً بهم من خلال بضع نقرات على إنستغرام أو تليجرام أو فيسبوك، تحولت الغرف الخاصة إلى متاجر، والمنازل إلى مستودعات، والشباب إلى رواد أعمال بالفطرة.

ما يشهده العراق اليوم هو نمو متسارع لما يمكن تسميته بـ الاقتصاد الموازي وهو قطاع يعتمد على بيع الملابس، العطور، والأدوات المنزلية عبر المنصات الرقمية.

وتعتبر ثقافة الدليفري التي خلقت مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، محولةً الدراجات النارية إلى "شرايين" تنقل الحياة (والطعام والبضائع) في قلب المدن.

وننتقل التصميم الجرافيكي إلى البرمجة، وصولاً إلى إدارة المحتوى، حيث يبيع الشباب مهاراتهم لشركات محلية وعالمية وهم في منازلهم.

هذا الاقتصاد ينمو بعيداً عن أروقة المؤسسات الرسمية، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الدولة على استيعاب هذا التحول وتنظيمه دون خنقه.

وبعد ان كانت المدينة تُقاس بجمال واجهات محلاتها التجارية التقليدية اصبحت ايضا تقاس بسرعة الوصول الرقمي لقد غير جيل الهواتف الذكية "شخصية المدينة" العراقية حيث لم تعد تحتاج لمحل في شارع تجاري رئيسي لتنجح، يكفيك إعلان ممول بـ 5 دولارات لتصل إلى آلاف الزبائن في كافة أنحاء المحافظة.

وانتشرت المطاعم التي لا تمتلك صالات طعام، بل تعتمد كلياً على التطبيقات. هذا تغيير جذري في هندسة الأعمال والمساحات الحضرية.

وفي نقاشات وندوات عادة ماينظر إلى هذا التحول كظاهرة سوسيولوجية عميقة. التقارير تشير إلى أن الشباب العراقي يمارس الذكاء التكيفي، حيث يحاول تعويض غياب الفرص المؤسساتية بابتكار فرص شخصية.

يؤكد متخصصون أن هذا الجيل يطالب ببيئة تمكينية، أي أن التحدي في غياب بنية تحتية رقمية مستقرة إنترنت سريع وغير مكلف، ونظام دفع إلكتروني متكامل يسهل عمليات البيع والشراء، وإطار قانوني يحمي حقوق العاملين في الاقتصاد الحر لضمان مستقبلهم.

وبرغم النجاحات الفردية الملهمة، يواجه هذا الجيل تحديات قد تفرمل طموحه فان القوانين الضريبية والتجارية لا تزال صُممت لعصر المحلات التقليدية، مما يترك الشباب في منطقة رمادية قانونية.

اضافىالىذلك هناك غياب الوعي الكافي بمخاطر الأمن السيبراني قد يعرض هؤلاء الرياديين للابتزاز أو النصب.

اما علىصعيدالاستدامة فان تحويل هذه المشاريع الفردية الصغيرة إلى شركات ناشئة مستدامة يتطلب ثقافة إدارية وتمويلية تفوق ما هو متاح حالياً.

إن جيل الهواتف الذكية في العراق يكتب الفصل الجديد في تاريخ الاقتصاد العراقي هم يغيرون وجه المدن، يفرضون واقعاً جديداً، ويقولون بصوت عال نحن لا ننتظر التغيير، نحن نصنعه.

لكن النجاح المستدام يتطلب أكثر من مجرد هاتف ذكي يتطلب احتضاناً حقيقياً من مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، لتتحول

العودة إلى الأعلى