ألقاب المعصومين عليهم السلام- عبرة وتذكرة في الدنيا والآخرة (1)

كما أن الكون كله خلق في سبيل تحقيق هدف معرفة الله جلّ وعلا ومحبته وعبادته بالفكر والقول والعمل، فكذلك خلق أولئك المصطفون، عترة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عجب في ذلك فإنه جل شأنه قال في محكم الذكر: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات، الآية 56)، وقال في الحديث القدسي: "إني ما خلقت سماء مبنية، ولا أرضا مدحية، ولا قمرا منيرا، ولا شمسا مضيئة ولا فلكا يـدور، ولا بحرا يجري، ولا فلكا يسـري إلا في محبة هؤلاء الخمسة، الذين هم تحـت الكساء." وقال في الكتاب الحكيم أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة المائدة، الآية 35).

وحريّ بنا حين يأتينا الأمر الإلهي بابتغاء الوسيلة إليه، أن نبذل كل طاقتنا وإمكاناتنا لنتعرف ونزداد معرفة بأولئك الأطهار الأبرار، أهل بيت النبي المختار، محمد وأهل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام، وذلك من خلال البحث في بطون الكتب المعتبرة الموثوقة، أو الاستماع إلى المحاضرات الشيقة الممتعة التي تحيي ذكرهم وتصف فضلهم وتزيدنا معرفةً بخصالهم وأحوالهم، مما يزيدنا تعلّقًا بهم وانتماءً إليهم، إذ ليس من المعقول أن ننتمي إليهم ونؤمن بمحبتهم وولايتهم التي جعلها الباري من أسس الدين والعلاقة به، دون أن نتعرف عليهم عن كثب، كأننا عايشناهم وعاصرناهم وسمعنا نصائحهم وأحاديثهم.

ولعل من أهم مراحل تعرّفنا وتعلّقنا بأهل بيت العصمة عليهم السلام، أن نحاول استكشاف ألقابهم وكناهم، فهي تحدّثنا بصفاتهم وشمائلهم الكريمة، التي نتّخذها مثالًا ونموذجًا نحتذيه، وقدوة ننسج على منوالها...

 ويلفتنا مع تعرّفنا على هذه الألقاب، أن لكل من النبي والأئمة الاثني عشر عليهم السلام لقب اشتهر به دون سواه، مع أنهم جميعًا يتّصفون بالصفات  الكريمة عينها، وهم منها في القمة الرفيعة، وقد قال قائلهم صلوات الله عليهم، الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: "إن فضل أولنا يلحق فضل آخرنا، وفضل آخرنا يلحق فضل أولنا، فكل له فضل"، ثم قال: "نحن من شجرة برأنا الله من طينة واحدة، فضلنا من الله، وعلمنا من عند الله، ونحن أمناء الله على خلقه، والدعاة إلى دينه، والحجاب فيما بينه وبين خلقه"، ثم قال: "خلقنا واحد، وعلمنا واحد، وفضلنا واحد، وكلنا واحد عند الله عز وجل... نحن اثنا عشر هكذا حول عرش ربنا جل وعز في مبتدأ خلقنا، أولنا محمد، وأوسطنا محمد، وآخرنا محمد". (من كتاب الغيبة - محمد بن إبراهيم النعماني ص87 – 88).

انطلاقًا من فهمنا ذاك لأهمية تلك الخصال الحميدة في تحديد مسارنا في حياتنا وأخلاقنا، عبر اقتدائنا بأولئك الأطهار الذين قال فيهم الباري عزّ وجل: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (سورة الأحزاب، الآية 21)، فإننا سنحاول استعراض الألقاب المشهورة للمعصومين عليهم السلام، لنخلص منها إلى خلاصة تكشف شيئًا مما نفهمه بين سطور حياتهم، وكثيرًا مما يمكن أن نضعه نصب أعيننا في سيرنا على هداهم وصراطهم المستقيم، وسيكون تركيزنا على الألقاب التي تلامس الواقع المطلق، والتي لا ترتبط بأحداث محددة بزمان ما أو مناسبة معينة.

النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): من أشهر ألقابه المصطفى المختار والصادق الأمين، وهو لقب اشتهر به قبل بعثته وبعدها، وله ما له من دلالاتٍ جمة، ويكفينا في أهميته أنه بقي ملاذًا لأهل مكة وموئلًا لأماناتهم حتى بعد بعثته واختلاف كثير منهم معه في العقيدة... إلا أن أحدًا لم يكن ليستطيع أن يشكك بأمانته وصدقه، وهنا تكمن المفارقة عند أولئك المشركين المصرّين على باطلهم، إذ أن عمى البصيرة حال بينهم وبين ملاحظة أن هذا الصادق الأمين الذي يأتمنونه على أموالهم وأرزاقهم هو عينه النبي المبعوث رحمة للعالمين، والذي يجدر بهم تصديقه وائتمانه على آخرتهم قبل دنياهم، ولكن الضلالة غمرتهم بظلامها، فلم يميزوا بين الحق والباطل... وحريّ بنا نحن أهل هذا الزمان الصعب الذي تقف بينه وبين زمان النبي قرون طويلة، أن نكون أهدى من أولئك الناكرين الذين ظلموا أنفسهم، وأن نصدّق النبي في كل ما أتى به، وأن نجعل الصدق عنوان حياتنا، وأن نحمل رسالته أمانة في أعناقنا، لنؤديها للعالم أجمع، فتلك هي مودة القربى التي حثّنا عليها النبي بأمر من الله عز وجل.

أمير المؤمنين علي(عليه السلام): أشهر ألقابه المرتضى والوصيّ وحيدرة والكرار، ويعسوب الدين ويعسوب المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين والصدّيق والفاروق... إن الملاحظ أن ألقاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام تتمحور حول الاعتراف بإمامته (المرتضى والوصي)، وحول بطولاته (حيدر والكرار)، وحول قيادته للأمة بعد النبي (يعسوب الدين وقائد الغر المحجلين) وحول التأكيد على أن ولايته هي من أصول الدين (الفاروق بين الحق والباطل)، وذلك مصداقًا لقول النبي (ص): "لولا أنت يا علي لم يعرف المؤمنون بعدي".

وهنا بيت القصيد، فنحن بمعرفتنا لهذه الألقاب الشريفة نفهم تكليفنا وكيفية اقتدائنا به صلوات الله وسلامه عليه.

 أبو محمد الحسن (عليه السلام): أشهر ألقابه المجتبى والتقيّ والطيّب والزكيّ وسيّد شباب أهل الجنة وصاحب الحوض والسبط والوليّ وكريم أهل البيت ومعزّ المؤمنين... والملاحظ أيضًا أن ألقاب الحسن السبط عليه السلام تتمحور حول اختصاصه بالإمامة بعد أبيه (المجتبى والولي) وحول علاقته الوثيقة الاستثنائية بجده النبي (السبط) وحول منزلته الاستثنائية في الآخرة (سيد شباب أهل الجنة وصاحب الحوض) وحول خلقه النبوي الرفيع (التقي والطيب وكريم أهل البيت) أما لقب معزّ المؤمنين فقد كان توضيحًا وتصويبًا وردًّا على اتهامه من قبل بعض المغرَّر بهم أنه "مذلّ المؤمنين" بسبب معاهدة الصلح التي أبرمها مع معاوية بن أبي سفيان، وقد أوضح صلوات الله وسلامه عليه موقفه ذاك ودواعي الصلح الذي كان الحل الوحيد لحفظ وجود الشيعة والدين الإسلامي ككل، فهو بحقّ معزّ المؤمنين في كل عصر، لأنهم به حُفِظُوا واستمرّوا وكانت لهم اليد العليا في الآخرة والدنيا...

أبو عبد الله الحسين (عليه السلام): أشهر ألقابه الشهيد وسيد الشهداء والطيب وسيد شباب أهل الجنة والسبط والرشيد والوفي والمبارك والتابع لمرضاة الله والدليل على ذات الله والمطهَّر والبرّ وأحد الكاظمين.

والملاحظ أيضًا أن ألقاب الإمام الحسين عليه السلام تتمحور كما أخيه الحسن السبط عليه السلام حول علاقته بجده (السبط) ومنزلته الاستثنائية في الآخرة (سيد شباب أهل الجنة وشافع الأمة) وحول خلقه النبوي الرفيع (الرشيد والوفي والمبارك والمطهَّر والبرّ وأحد الكاظمين) وكونه وسيلة استثنائية إلى الله جل وعلا (التابع لمرضاة الله والدليل على ذات الله).

أما أهم ألقاب الإمام الحسين (ع) وهي الصفة الأساسية التي يتميز بها والتي يتطلّع إليها كل أحرار العالم وما يزالون، مع أنها ليست مختصة به وحده، فهي صفة عامة لكل المعصومين عليهم السلام، إلا أنها برزت فيه لبروزه ببلائه الأعظم، وارتكاز إحياء الدين بعد انطماسه على عاتقه المقدس، ألا وهو لقب "الشهيد" و"سيد الشهداء"... إن هذا اللقب فضلًا عن تميّزه ودلالته العميقة على شخصية الإمام الحسين عليه السلام بكل أبعادها، فهو يطرح مسيرته كقدوة للمؤمنين في كل زمنٍ يكون فيه الدين بخطرٍ وجودي كما كان في زمانه...

إن الحديث عن الحسين الشهيد عليه السلام لا تكفي فيه بضع كلمات أو سطور أو مقالات، بل إن بحثه يحتاج لكتب وموسوعات، لكننا نكتفي بهذا القدر الآن، لننتقل إلى سواه من الأئمة الطاهرين من ذريته، عسانا نستضيء بما ورد من ألقابهم ونهتدي بما يلوح لنا من هداهم في خضم ليل الزمان الحالك، ثم نحاول الخروج بخلاصةٍ تجمع خصوصية تلك الألقاب، ما اشتركوا فيه وما اختص كلّ منهم به، ليكون لنا بهم رحمة وقدوة وعبرة... في الدنيا والآخرة.

ولكي لا يطول المقال، نترك المجال بمتابعة الموضوع للجزء الثاني منه، ونسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم.

 


 


العودة إلى الأعلى