العطاء في الإسلام سبيل للتكامل الإنساني- العطاء المعنوي (3)
العطاء كما أسلفنا عطاءان، مادي ومعنوي، لكن القيمة الفعلية تبقى دائمًا للجانب المعنوي، فحتى العطاء المادي له آثار معنوية تعطيه قدره الحقيقي وقيمته الإنسانية الرفيعة.
وقد يتبادر للذهن أن العطاء المادي هو الأهم، فهو يلامس حاجات الإنسان المادية الدنيوية، ويكون التفريط بها عزيزًا على الإنسان بحيث يحتاج إلى نفسٍ كريمةٍ تتوق للعطاء وتستمتع به، أو ترجو ثواب الله من ورائه... وبهذا يكون العطاء المادي أصعب على الإنسان، وربما يبتلى البعض بالحرص فلا يكون لهم نصيب فيه... لكن الحقيقة غير هذا!
فالعطاء المادي مهما بلغت قيمته من حيث الإنفاق في الأمور الواجبة والمستحبة، ومهما كانت الأشياء والأموال التي ينفقها المرء عزيزة عليه بحيث يبدو عطاؤه لها صعبًا وذا قيمة عالية، إلا أنها جميعها قابلة للتعويض في الدنيا: فالمال يمكن أن نجني سواه، والأشياء يمكن أن نعوّضها بغيرها، ولذا فإن العطاء المادي مهما تفوق وارتقى في سلم الجود الإنساني لا يمكن أن يرتقي على العطاء المعنوي، خصوصًا إذا ما تجسد ذلك العطاء في الأمور التي لا يمكن تعويضها دنيويًّا، وفي مقدمتها عطاء النفس والولد...
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (سورة البقرة: الآية 207)
يحكي لنا التاريخ عن الكرم ومآثر أهله، فيستخفنا الإعجاب، لكننا لا نستطيع إلا أن نطأطئ الرؤوس أمام الجود بالنفس في سبيل المطالب العليا، ونوافق الشاعر الذي يقول: "والجود بالنفس أقصى غاية الجود"، كما نرتقي بمفاد الحديث الشريف القائل: "فوق كل ذي بر بر، حتى يقتل المرء في سبيل الله فليس فوقه بر."
والسؤال هنا: ما العلاقة العميقة بين العطاء المادي والمعنوي، وبين من يجود بماله ومن يجود بنفسه، وهل هناك أي صلة تربطهما، سوى أن كلاهما عطاء؟
إن نظرة عامة ثم خاصة في أهل العطاء تجيبنا بأبلغ الجواب: إذ يندر أن نجد من هو مستعد لعطاء النفس دون المال، وهذه مآثر الشهداء عبر التاريخ تتوالى لتشهد على ذلك...
ولعل أهم علاقة بين العطاءين هي أن العطاء المعنوي لا يمكن أن يكون عند من هو بخيل بماله، ولذا فإن من أهم سبل تربية النفس على حب العطاء والإحسان والبر، هو التخفف من أعباء الدنيا وزينتها والتعلق ببهارجها ولذائذها، والسخاء بما رزقه الله منها، حتى إذا آن أوان العطاء المعنوي المستوجب، كنصرة الحق بالنفس والمال والولد، كان الكريم بماله مؤهّلًا ليتصدر الأنصار، إذ لا يمكن أن نتوقع ممن يقف مليًّا أمام كل قرش يعطيه، ويقدّم الحقوق الشرعية المتوجبة عليه بنفسٍ شحيحة، أو ممن لا يجود إلا بالواجب فقط دون المستحب، لا نتوقع من أمثال هؤلاء أن يبادروا إلى التضحية بدنياهم في سبيل الآخرة، لأنهم متعلقون بمتاع الدنيا المادي، ومن لم تجذبه أضواء رضا الله عز وجل بالبر الكامل والعطاء بغير حساب، فهو لن يكون منجذبًا لأضواء الآخرة، بنفس القدر الذي ينجذب به الزاهدون في هذا المتاع، والراكضون خلف رضا الله قبل رضا النفس الأمارة بالسوء والطمع وغيرهما من الرذائل التي تزين للإنسان حب المال والتعلق بمتع الدنيا الفانية.
من هنا نستطيع أن نفهم لماذا كان هذا التشجيع الدائم على العطاء في فكر الإسلام وسنة النبي الأعظم وأهل بيته الطاهرين، حيث لم يسجل لنا التاريخ أفقه ولا أعلم منهم، ولا أجود ولا أكثر عطاء، حتى اقترنت ألقابهم بالجود، فهذا الإمام الحسن المجتبى عليه السلام يلقب بكريم أهل البيت، وذاك الإمام محمد التقي عليه السلام يلقب بالجواد، مما يؤكد على أهمية صفة الكرم إلى جانب الشمائل الأخرى التي تحلوا بها، كهداية الخلق (الهادي والمهدي) وكظم الغيظ (الكاظم) ورضا الله ورسوله (الرضا) وغزارة العلم (الباقر) وكثرة العبادة (السجّاد) وصدق المقالة (الصادق) وتزكية النفس وطهارتها (الزكي) وغيرها من الشمائل والصفات والألقاب التي اشتهر بها أهل بيت النبوة حتى غدت مرادفة لأسمائهم الشريفة... إن العطاء عند آل البيت (القدوة والمثال) كان صفة عامة، وكان من نوع الصفات البديهية التي لا تحتاج للإفصاح عنها، ولذا فإن من أهم ما يمكن للمؤمن المقتدي بأهل البيت أن يركّز عليه في تربية نفسه وأولاده حتى يكونوا أنصارًا لصاحب العصر والزمان، وهو تكليف واجب لا مفر منه في زمن الغيبة، أن يحبب إليهم العطاء، وأن يطهر نفسه من التعلق بالماديات عبر هذا العطاء، حتى يغدو العطاء عنده تلقائيا لا يحتاج لوقفة وتمعن، بل هو أمر سهل عند المؤمن، تماما كقول الصدق وطلب العلم والامتناع عما حرّم الله، والسعي في الطاعات والواجبات، كالمبادرة للصلاة والالتزام بالصيام وغيرها...
إن للعطاء أهمية عظمى إذًا، فهو يربي النفس على الزهد في متع الدنيا والتعلق بالآخرة، مما يجعلها تتدرج في سلم العطاء والبر بشكل متوازن، حتى الوصول إلى أقصى الدرجات، ألا وهو عطاء النفس أي الشهادة، ومن هنا كان حديث الرسول الأعظم (ص): ليس منا إلا مقتول أو مسموم، بمعنى أن النبي وأهل بيته أعطوا كلّهم لله، ولم يبخلوا بشيء، فكانوا في رأس هرم الشهداء، وضربوا بشهادتهم أروع مثال من أمثلة العطاء، وحري بمن اقتدى بهم في حياتهم، أن يقتدي بهم في مماتهم أيضًا؛ حيث نقول في زيارة عاشوراء المشهورة: "اللهم اجعل محياي محيا محمد وآل محمد، ومماتي ممات محمد وآل محمد"...
فحوى القول أن نفهم أن العطاء المادي الذي شجّع عليه الدين الإسلامي، بل جعله واجبًا في موارد الزكاة والخمس والإنفاق الواجب وغيرها، ليس إلا درجة من درجات تربية النفس على العطاء الأكبر، وبما أن الإنسان في حسابات ديننا الحنيف هو وحدة كاملة لا تتجزأ، جسدا وروحًا ونفسًا، فإن العطاء المادي الممهد للعطاء المعنوي الناتج عنه والتالي له، هو المرحلة الأولى من مراحل العطاء، فمن استكملها وأجادها وخرج منها متفوقًا متقنًا لفعل العطاء، كان مؤهلًا لينتقل إلى الدرجات الأخرى من البر، وعلى رأسها الجود بالنفس أي الشهادة...
وهنا يجود علينا الباري جل وعلا بالآيات البينات التي تبين منزلة الشهداء، فنعلم أن جود هؤلاء البشر المصطفين بأنفسهم قد بلغ بهم أعلى عليين، فكان عطاؤهم هو منتهى عطاء الإنسان في كل حين:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 169)
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (سورة الحديد، الآية 19)


