العطاء في الإسلام سبيل للتكامل الإنساني- العطاء المعنوي 2

إن الملفت حقًّا في مسألة العطاء عمومًا، أنه حتى مع انقسامه إلى شقين مادي ومعنوي، إلا أنه ليس أمرًا ماديًّا!

العطاء ليس مالًا ينفق أو رزقًا يوزع على المحتاجين، وإن كان في ظاهره كذلك أحيانا، بل هو فعل إراديّ يغالب به الإنسان هواه وشهواته، فنفسه تزين له "حب المال والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة" وهواه يجنح به نحو حب الاقتناء والاستئثار لنفسه بالثروة والزينة والطعام والشراب، لكن العطاء يأتي ليهذب كل ذلك، وليحارب الأنانية والأثرة في النفس البشرية، فالإنسان حين يتخلى عن جزء من ماله لغيره، بدافع الواجب الديني كالزكاة والخمس والكفارة وغيرها، أو بدافع طلب الأجر والثواب كالصدقة والإحسان، يترك كل ذلك في نفسه شعورًا بالمحبة والرضا، لنفسه وللمجتمع الإنساني حوله، وتأتي مراتب العطاء لتنظّم وترتقي بالإنسان إلى أعلى قمم التكامل الإنساني، بحسب أدائه لهذا العطاء...

قد يتصدق المرء وينفق الكثير ما بين خمس وزكاة وصدقة، لكن ارتقاءه لا يأتي من المقدار الذي يتصدق به، بل من نيّته وتفاعله الداخلي معه...

لا شك أن للعطاء مهما كان نوعه، أثرًا معنويًّا إيجابيًّا في نفس المعطي، لكن هذا الأثر يزداد عمقًا وسعة ورقيًّا كلما كان العطاء أكثر بعدًا عن الأنانية... بلى، فالعطاء نفسه يمكن أن يكون أنانيًّا إذا داخله حب الظهور والتفاخر، فالزهو بالعطاء يخمد شعلته المتوهجة، ولذا كان أفضل العطاء عطاء السر، لأنه يتنزه عن كل ذلك، ويصقل العلاقة بين العبد وربه، ليغدو رضا الله أكبر همه.

قال الله عز وجل: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (سورة البقرة: الآية271).

المرء عمومًا مجبولٌ على التعلق بالماديات، ومنها الرزق والمال والأولاد وغيرها، فإذا حازها تمسك بها وحرص عليها كحرصه على روحه، فهي بالنسبة إليه صمام الأمان الدنيوي، وثيقة عبور من عالم الفقر إلى عالم الاكتفاء أو الغنى، ومن الحاجة إلى الاستغناء، ومن انقطاع الذكر إلى امتداده... وهنا يأتي القرآن الكريم ليخاطبنا: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾

(سورة الكهف: الآية 46)

ثم لينبهنا: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

(سورة التغابن: آية 15)

ويبرز سؤال: إذا كان المال والبنون هما صمام الأمان للنعيم الدنيوي، فما هو صمام الأمام للنعيم الأخروي؟

إنه العطاء أيضًا...

عطاء المال واجبًا كان أو مستحبًّا يمهد الطريق، ويهذب النفس ويخرجها من الأنا إلى الآخر، ويربط بين المؤمنين برباط التوادّ والتراحم والتكافل، وكذلك كل عطاء آخر، كعطاء الجهد والوقت والفكر، فمجرد العطاء يخلق جسرًا بين عالم الذات وعالم الآخرين، ويخرج الإنسان من أنانيته وجشعه، ويصنع منه فردًا صالحًا في مجتمع إنساني صالح...

لكن العطاء يتدرج في آثاره المعنوية الأخروية بحسب مرتبته في سلم شهوات الإنسان.

يقول عزّ وجلّ: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران، الآية 92).

 فالبرّ هو من أرقى أنواع العطاء، لأنه عطاء حب، فقد ينفق الإنسان قنطارًا ونفسه شحيحة به تتحسر عليه، فلا ينال به عُشر الثواب الذي يناله آخر أنفق دينارًا بحبّ ورضا... وقد ينفق الإنسان ويعطي الكثير، لكنه يختار أسوأ ما يملك أو ما قلّت حاجته إليه، فلا ينال به عشر ما يناله آخر أنفق الأقل مما يحب...

ليست القضية قضية ثواب أخروي فحسب، فمن نعم الله على الإنسان أن الأعمال الصالحة التي يثيبنا عليها تنعكس على أنفسنا رقيًّا وغنى، فنسعد بها في دنيانا قبل أن نقطف ثمارها في الآخرة، ولذا ترى أكثر الناس راحة وسعادة أهل الجود والكرم، لا أهل الغنى والثروة، لأن الجواد ينفق برضا ويقدّم دون منة، حتى يصبح العطاء جزءًا منه، فيغلق عن نفسه أوسع أبواب الشيطان: البخل والشح والتعلق بمغريات الدنيا...

ها هي مولاتنا الزهراء عليها السلام تتصدق بثوب عرسها في القصة المعروفة، وهي سابقة ما فعلتها امرأة قبلها، فتلقننا درسًا في نيل البر بالإنفاق مما نحب...

وها هم أهل البيت عليهم السلام يطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا، رغم صيامهم وجوعهم وحاجتهم إليه، وهم في كل ذلك هانئون راضون.

وها هم أئمة أهل البيت ينفقون ويجودون جودًا منقطع النظير، حتى قيل في الإمام الحسن عليه السلام "كريم أهل البيت" أنه خرج من ماله مرارًا (أي أنفقه كله على المحتاجين) وقاسم الله نصفه مرارًا أيضًا ( أي أنفق نصفه)...

هم يعطون بلا منة، ويقدمون ولا ينتظرون الشكر، بل يعتذرون...

ها هو الإمام الحسين عليه السلام في هذه الحادثة التي نرويها لنقرأ نزرًا يسيرًا من سمو خلقه وعطائه فيها:

"رَوَى ابْنُ شَهْرَ آشُوبَ فِي الْمَنَاقِبِ، أنَّهُ وَفَدَ أَعْرَابِيٌّ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَ عَنْ أَكْرَمِ النَّاسِ بِهَا، فَدُلَّ عَلَى الْحُسَيْنِ (عليه السَّلام)، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَهُ مُصَلِّيًا، فَوَقَفَ بِإِزَائِهِ وَ أَنْشَأَ :

لَمْ يَخِبِ الْآنَ مَنْ رَجَاكَ وَمَنْ    حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الْحَلَقَةَ

أَنْتَ جَوَادٌ وَأَنْتَ مُعْتَمَدٌ          أَبُوكَ قَدْ كَانَ قَاتِلَ الْفَسَقَةِ

لَوْلَا الَّذِي كَانَ مِنْ أَوَائِلِكُمْ       كَانَتْ عَلَيْنَا الْجَحِيمُ مُنْطَبِقَةً

قَالَ: فَسَلَّمَ الْحُسَيْنُ (عليه السَّلام)، وَقَالَ: "يَا قَنْبَرُ، هَلْ بَقِيَ مِنْ مَالِ الْحِجَازِ شَيْ‏ءٌ؟"

قَالَ: "نَعَمْ، أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ ".

فَقَالَ: "هَاتِهَا، قَدْ جَاءَهَا مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنَّا"، ثُمَّ نَزَعَ بُرْدَيْهِ وَ لَفَّ الدَّنَانِيرَ فِيهَا، وَ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ حَيَاءً مِنَ الْأَعْرَابِيِّ، وَأَنْشَأَ :

خُذْهَا فَإِنِّي إِلَيْكَ مُعْتَذِرٌ         وَاعْلَمْ بِأَنِّي عَلَيْكَ ذُو شَفَقَةٍ

لَوْ كَانَ فِي سَيْرِنَا الْغَدَاةَ عَصًا  أَمْسَتْ سَمَانَا عَلَيْكَ مُنْدَفِقَةً

لَكِنَّ رَيْبَ الزَّمَانِ ذُو غِيَرٍ               وَالْكَفُّ مِنِّي قَلِيلَةُ النَّفَقَةِ

قَالَ: فَأَخَذَهَا الْأَعْرَابِيُّ وَبَكَى .

فَقَالَ لَهُ: "لَعَلَّكَ اسْتَقْلَلْتَ؟!"

قَالَ: "لَا، ولَكِنْ كَيْفَ يَأْكُلُ التُّرَابُ جُودَكَ!" (مستدرك وسائل الشيعة 7 / 237 ، للشيخ المحدث النوري، طبعة مؤسسة آل البيت ، سنة 1408 هجرية ، قم / إيران)

القصة تحكي عن نفسها، لكن فلنلاحظ كيف يعتذر الإمام، رغم أن المال لم يكن قليلًا، لكنه حتمًا دون عطائه وسخائه، ويناوله للسائل من خلف الباب لكي لا يرى ذل السؤال في وجهه!

إنه عطاء بحب، وكلما ارتقى هذا العطاء كمًّا ونوعًا وكيفًا، ارتقى الإنسان...

والمعروف أيضًا أنه كلما كان ما نعطيه أقرب إلينا وأعزّ علينا، كان أثر العطاء أكبر وأغزر وأعمق، ولذا فقد جاء في الحديث الشريف عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله):

"فوق كل ذي بر بر حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر". (سفينة البحار-ج8-صفحة584)

أعظم العطاء إذًا هو عطاء الروح، وأعظم معلمي هذا العطاء هم أهل بيت النبوة عليهم السلام، ولذا فقد كان لنا في عطائهم مدرسة البر والتكامل الإنساني.

من هنا ننطلق وإلى هنا نصل، وبين انطلاقة ووصول ندون ونسجل...

وكما هي الحال في كل عمل نمضي فيه بتسلسل، فالمنطق هنا يفرض علينا أن نتمعن في لحظة تكامل العمل، وأن نعطيها حقها، بل أن نمهل أنفسنا وأن نعطيها بعضًا من ذلك العطاء الأجلّ...

نترك الحديث عن عطاء الروح وأبوابه وآثاره للجزء الثالث والأخير من هذه المقالة.


العودة إلى الأعلى