العطاء في الإسلام سبيل للتكامل الإنساني
يعد العطاء عمومًا من الأفعال الإنسانية الحضارية الراقية، فهو فعل ينمّ عن وعي الفرد بمسؤوليته تجاه المجتمع الإنساني، ومع أنه يتضمّن شقًّا ماديًّا واضحًا، إلا أن آثاره المعنوية على نفس المعطي قبل المتلقّي هي أمرٌ لا جدل فيه... والعطاء عمومًا يبرز في تقديم الجهد أو المال أو كليهما لتحصيل الفائدة للآخرين، كالعطاء الفكري الذي يرتقي بالمجتمع من الجهل إلى العلم، عبر وسائل الثقافة المتنوعة، وعماده المفكرون والعلماء، والعطاء الروحي الذي يخرجه من الظلمات إلى النور، عبر الرسالات والشرائع والنظم الإصلاحية، وعماده المصلحون والأنبياء والأولياء، والعطاء المادي الذي يخرجه من الفقر إلى الاكتفاء، عبر العمل الخيري والاجتماعي والتنموي، وعماده الخيّرون والموسرون وأهل الجود والكرم...
على أن انفصال مجالات العطاء بعضها عن البعض الآخر قد يؤثر سلبًا على فعاليتها في تحقيق أهدافها الإنسانية، فالعطاء الفكري الذي لا يترافق مع العطاء الروحي يخلق بعدًا بين الإنسان وربه، والعطاء الروحي الذي لا يترافق مع العطاء المادي يخلق هوة بين أفراد المجتمع الواحد، ويؤدي إلى الطبقية الاجتماعية حيث لا يراعي الغني حاجة الفقير وتزداد الهوة الاجتماعية والمادية بينهما، مما يصبغ بعض المناهج الروحية بصبغة الاستغلال للطبقات الفقيرة، حتى كان من ثمار ذلك الاستغلال أن وصل بعض المفكرين إلى سوء فهم للجانب الروحي في حياة الإنسان، وعدّوه وسيلة من وسائل استغلال الطبقة الحاكمة المستكبرة للطبقات المحكومة المستضعفة، ومن ذلك المقولة الشائعة التي أطلقها كارل ماركس: "الدين أفيون الشعوب".
غير أن المتأمل في الشرائع الإلهية الصافية، قبل تحريفها وتزييفها من قبل المنافقين والمستغلين، يرى أن الله عزّ وجلّ قد وضع العطاء في صميم التشريع، فلم يغفل حق الفقير في مال الغني، وتخصيص مجموعة من القوانين التي تضمن التكافل الاجتماعي المادي والمعنوي، بحيث لا تبقى هناك فئة مستغَلَّةٌ مقهورة، ولا تكون هناك فئة غالبةٌ قاهرة متحكّمة، فقد جاء في الإنجيل مثلا:
ابْسُطُ يَدَكَ لِلْفَقِيرِ، لِكَيْ تَكْمُلَ بَرَكَتُكَ" (سفر يشوع بن سيراخ 7: 36)
"مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (إنجيل متى 5: 42)
"كُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ" (إنجيل لوقا 6: 30)
"وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرّف شمالك ما تفعل يمينك." (إنجيل متى 6: 3)
من هنا نلاحظ أن المسيحية شجّعت على العطاء بهدف البركة واستشعار الحب الإلهي الصافي، وهذا من مصاديق الرد على الملاحدة الذين صنّفوا الدين بعنوانه العام كوسيلة لتخدير الشعوب بهدف استغلالها ماديا ومعنويا، وكان ما شجعهم على ذلك فساد الكثير من رجال الدين الذين جعلهم الحكام والملوك يدًا لهم يبطشون بها باسم الدين.
وبما أن الشريعة الإسلامية هي خاتمة الشرائع، والقرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي لم تطله يد التحريف والتلاعب والتزييف، كما أن الحديث الشريف للنبي الأعظم (ص) والأئمة الطاهرين (ع) قد وجد سبيله إلى قلوب المتعطشين للحق، عبر التحقيق والتصحيح، فإنه من الطبيعي أن تكون التشريعات الخاصة بالعطاء في الإسلام هي الأكمل والأجمل، والأكثر تمشّيًا مع طبائع الإنسان وفطرته، كما أن الإسلام لم يقتصر على ذكر العطاء المادي عامًّا، والتشجيع عليه بذكر ثوابه وأجره، بل هو جعل العطاء قسمين: فريضة واجبة كالزكاة والخمس وعمل مستحب كالصدقة... وفصّل آداب هذا العطاء وموارده.
لكن الملفت في موارد العطاء الإسلامي وآدابه أنه يتغلغل في أعماق النفس الإنسانية والفطرة البشرية لينطلق منها ويقترن بها، فيتوسع ليضم النفس والروح والجسد، أي أنه يراعي، كما سائر الشرائع الإسلامية الأخرى، عناصر خلق الإنسان وتركيبه، فلا تطغى إحدى طبائعه على الأخرى، بل يكون لكل منها دور في تهذيب غيرها، حتى يصل الإنسان عبر اتباعه لهذه الشرائع إلى قمة التكامل الإنساني، ويصل المجتمع البشري المؤلف من هؤلاء الأفراد، إلى قمة التكامل الاجتماعي على كل صعيد.
وبما أن العطاء في الإسلام ينقسم إلى مادي ومعنوي، فلنا أن نتدارس ما ورد في كليهما من آيات وأحاديث مع محاولة فهم كلٍّ منها:
أولًا: العطاء المادي: لا يقتصر العطاء المادي على ما يقدمه الإنسان لغيره من مال ومتاع، بل يتعداه إلى كل ما يقوم به من جهدٍ بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، لتسهيل عطاء الآخرين، كأن يكرس وقت فراغه لتوزيع المساعدات على المحتاجين، أو أن يتطوع لخدمة كبار السن والعجزة والمرضى، أو لإنقاذ الجرحى في الحروب، أو أن يشجّع غيره على التبرّع للعمل الخيري عبر الدعاية والإعلان مثلًا، وغير ذلك...
وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تنص على هذا العطاء، ما بين واجبٍ ومستحب، من زكاة وخمس وصدقة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٣٩ الروم)
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٤٣ البقرة)
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٧ البقرة)
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٧١ التوبة)
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(٥٦ النور)
﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾( سورة الأنفال الآية 41).
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 261).
﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 271)
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (البقرة: 262)
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: 8).
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (آل عمران: 134).
إن المتأمل في الآيات الكريمة التي تنص على وجوب العطاء (الزكاة والخمس) وعلى فضله العظيم حين يكون مستحبًّا أيضًا (الصدقة)، يجد أن الزكاة جاءت في الآيات تالية للصلاة، لبيان أهميتها، أما الخمس فهو أيضًا واجب في مورد المكاسب والغنائم، وقد جاء ذكره بطريقة الفريضة التي لا بد من دفعها (واعلموا أنما غنمتم... فأنّ لله خمسه...) وصيغة الآية تأكيدية تحقيقية مشددة على أهمية هذه الفريضة...
بل إن من موارد رحمة الله وفضله لضبط مسألة العطاء الواجب، أن جعل منع الزكاة والخمس كفرًا بالله، لأنه معاندة لفرائضه ورفض لحكمه، وقد جاء ذلك في الحديث الشريف عن النبي (ص): "ملعون كل مال لا يزكّى"، وعن الإمام الصادق (ع): "من منع الزكاة وقفت صلاته حتى يزكي"، وعنه أيضا: "إن الله عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الاغنياء فريضة لا يحمدون إلا بأدائها وهي الزكاة ، بها حقنوا دماءهم ، وبها سمّوا مسلمين"، وقوله: "من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم". (وسائل الشيعة ج9، الصفحات من 27 إلى 32).
إن ربط العقيدة وصحتها وسلامتها بالعطاء الواجب هو تشديد من الله عز وجل بجعل حق الفقير في مال الغني ضريبة واجبة لا منة له فيها عليه، وفي هذا حفظ لحق الفقير وتربية لنفس الغني الذي يظن أنه بعطائه متفضّلٌ ذو منة، والحقيقة أنه لم يؤد سوى واجبه الشرعي نحو أخيه في الدين.
أما الصدقة، فلعله ما من شريعة من الشرائع الإلهية أو الوضعية شدّدت على أهمية الصدقة ودورها في بناء النفس البشرية والمجتمع الإنساني كما فعل الإسلام...
فالآيات والأحاديث الشريفة أكثر من أن تعدّ في فضل الصدقة وثواب المتصدق، بل إن النبي (ص) والأئمة (ع) لم يتركوا مناسبة إلا استثمروها لتشجيع المسلمين على الصدقة وبذل المال وإنفاقه، فالصدقة في الاسلام ليست مجرد عمل خيري، بل هي دواء للبلاء ومفتاح للرزق وضمان لطول العمر، وهي تقضي الدين، وتخلف البركة، وتطفئ غضب الرب.
فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الصدقة تمنع سبعين نوعًا من أنواع البلاء." (ميزان الحكمة، الريشهريّ، ج2، ص 1595)
"الصدقة تدفع القضاء وقد أُبرم إبرامًا".) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج91، ص137)
"تصدّقوا وداووا مرضاكم بالصدقة فإنّ الصدقة تدفع عن الأعراض والأمراض وهي زيادة في أعماركم وحسناتكم". (ميزان الحكمة، ج2، ص 1595)
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "البرّ والصدقة ينفيان الفقر ويزيدان في العمر ويدفعان سبعين ميتة سوء". (بحار الأنوار ج93 ص 119)
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة". (نهج البلاغة، ج4، ص 57).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الصدقة لتطفىء عن أهلها حرّ القبور". (ميزان الحكمة، ج2، ص 1594)
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "أرض القيامة نار ما خلا ظلِّ المؤمن فإنَّ صدقته تظلّه" (الكافي، الشيخ الكليني، ج4، ص 3)
نكتفي بهذا القدر من الحديث عن العطاء المادي، ونترك الحديث عن آثاره المعنوية، بالإضافة إلى الحديث عن العطاء المعنوي وآثاره للجزء التالي من المقالة، ونسأل الله قبول الأعمال بحق النبي والآل صلوات الله عليهم أجمعين.
"لاَ تَكُنْ يَدُكَ مَبْسُوطَةً لِلأَخْذِ، مَقْبُوضَةً عَنِ الْعَطَاءِ" (سفر يشوع بن سيراخ 4: 36)
"صَالِحَةٌ الصَّلاَةُ مَعَ الصَّوْمِ، وَالصَّدَقَةُ خَيْرٌ مِنِ ادِّخَارِ كُنُوزِ الذَّهَبِ" (سفر طوبيا 12: 8)


