الحركة العلمية في الحائر

: د-صباح مسن كاظم 2026-03-14 09:23

تظل أرض الرافدين عراق المقدسات موطن العلم والعلماء والحوزات العلمية بنشر علوم آل محمد وفق المنهج العلمي بالانتماء الحقيقي لآل محمد منذ اتخاذ الإمام علي بن ابي طالب –عليه السلام- الكوفة عاصمة للعالم الإسلامي كان يفد لها من أرجاء الحواضر العربية والإسلامية لينهلوا من غدير علوم النبي وآله عن طريق أئمة الهدى والتقى .


  أكد الناشر على أهمية المن المقدسة بالناحية العلمية : (شهدت بعض المدن حركة علمية بارزة جعلتها بحق حواضر علمية ما زالت قائمة حتى يومنا هذا، حيث تخرج منها كبار العلماء والمفكرين والأدباء، وتلك المدن هي النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء في العراق، ومشهد وقم في إيران، وكانت النجف وكربلاء هما الأكثر بروزاً في العراق.) 

لاريب أن الخصوصية الروحية بوجود أضرحة الإمام علي بن ابي طالب –عليه السلام- بالنجف الأشرف ‘ والإمام الحسين والعباس –عليهما السلام بكربلاء المقدسة جعل القلوب تهفو لزيارتهم والسكن بحواضرهم من كل الأمم والشعوب، وجعلت تلك المدن المراكز العلمية بالعالم الاسلامي .

ويضيف قائلا:( محل عنايتنا هنا هي مدينة كربلاء المقدسة، وحاضرتها العلمية البارزة، تلك المدينة التي شهدت أرضها قبل قرون عدة أفظع واقعة مأساوية في التاريخ الإنساني والتي خلفت أحزاناً وآلاماً لم ولن تندثر على مر العصور والأزمان، ما جعلها منارة يهتدي بهداها كل طالب للحق والعدل، وكل ثائر على الباطل والظلم.

فتلكم المدينة المقدسة شهدت حركة علمية واسعة أرجع بعض الباحثين تاريخ بروزها إلى أيام الإمام جعفر الصادق الذي انتقل إليها أيام حكم الحاكم العباسي أبي العباس السفاح وأقام فيها قرب نهر العلقمي، ما أدى إلى حركة نزوح كبيرة للعلماء والفقهاء والمحدّثين ورواد العلم من كل بقاع الأرض. ومنذ ذلك التاريخ مرت على هذه المدينة المقدسة فترات من الركود والجمود لعوامل عدة منها العامل السياسي، لكن سرعان ما كانت تعود إلى ازدهارها بقوة وسرعة لتحتل مكانتها المعهودة كما في سابق عهدها.).


مكانة كربلاء العلمية :

يؤكد الدكتور العلامة آية الله محمد صادق الكرباسي على الجانب المشرق بالمعارف الاسلامية التي انطلقت من كربلاء المقدسة يسلسلها ب10 نقاط ليوضح العمق العلمي لمدينة الحسين سيد شباب أهل الجنة في هذا الكتاب الصادر عن  ((ضمن الموسوعة الحسينية المركز الحسيني للدراسات المملكة المتحدة 1438هـ ـ 2017م ب246 صفحة)).

ولقد استعرض العلامة المحقق الكرباسي بهذا السفر العلمي كل الجوانب التاريخية وما قدمته للعلوم بكافة المجالات بالتفسير والحديث والفقه واللغة والفتاوى وجميع العلوم الشرعية حيث يؤكد على عدة جوانب : )) مدينة الحسين كربلاء المقدسة والتي بانتقال سيد الشهداء إليها انتقل المنهل الثر إليها، ورغم أنّ المدة التي أقامها الإمام أبو عبد الله الحسين في كربلاء المقدسة لم تكن إلا ثمانية أيام وساعات حيث وصلها من نينوى عند الضحى من يوم الخميس الثاني من محرم سنة 61هـ (4/10/680م) واستشهد عند العصر من يوم الجمعة في العاشر من محرم من سنة 61هـ (12/10/680م) ولكن هذه الأيام الثمانية بلياليها كانت مدرسة علمية وعملية لمن رافقه، ومنهلاً علمياً لمن سمع بها ومنهجاً عملياً لكل من وصل إليه خبرها.

فالإمام المعصوم عند الإمامية يصبغ كلامه وعمله وتقريره بصبغة التشريع أولاً، وإنّ الإمام الحسين منذ أن وصل إلى مكة المكرمة كان المسلمون يتوجهون إليه لتصحيح مسارهم لتتطابق أعمالهم مع الشريعة الإسلامية، فمن الناحية العملية فإن المعصوم أينما حلّ فإنّه مصدر إلهام وعلم لمن يلتقي به، وممّا لا يخفى أن عدد المرافقين له من ذكور وإناث ومن أهل بيته الأطهار وأنصاره الكرام قارب الثلاثمائة نسمة، ولا يعقل أنهم لم يستلهموا من الإمام العظيم والسبط الكريم في سؤال أو حديث أو سيرة أو تقرير ما يكون درساً لهم، وهذا لا شك أنه حدث، مع العلم أن هناك عدداً من الأسئلة قد طرحت عليه، وهذا يكفي لإثبات المطلوب، لأن الحركة العلمية آنذاك لم تكن كما عليه اليوم حيث يجلس الأستاذ ويلقي محاضراته العلمية من ظهر كتاب أو من ظهر القلب، بل العلم كان يتداول بهذا الشكل بإلقاء السؤال تارةً، وإلقاء المحاضرات تارة أخرى، فهكذا بدأ الرسول وظل الأصحاب يتداولونه ويمارسونه مع الولاة من أهل بيته).

لقد تجذرت الحركة العلمية بمدينة الإباء والتضحية والفداء حتى أصبحت أهم الحواضر العلمية بالعالم الإسلامية ، وكباحث بالتاريخ الإسلامي أجد الأسباب للنهوض أو النكوص أوعزها الى نوع الحكم فكلما هناك فسحة للحرية تشع كربلاء بالعطاء وكلما يصل للحكم أحد البغاة يهمل تلك المدينة المقدسة وقد ذكر المحقق الكرباسي عن المرحلة التي تلت البوادر الأولى للانبثاق العلمي بالقول :

(( ..أما المرحلة الثانية فقد بدأت عندما أخذت كربلاء تتمصر رويداً رويداً بعد هلاك يزيد بن معاوية الأموي سنة 64هـ حيث قام العلماء والمحدثون بزيارة هذا المرقد الشريف وكان قد أخذ بناؤه يتطور وبظهور المختار بن أبي عبيدة الثقفي سنة 66هـ (685م)وتولي محمد بن إبراهيم بن مالك الأشتر اتخذ حول المرقد قرية وتوسعت الروضة كما وأُنشئت فيها مرافق مختلفة وبُني عليها قبة بقيت ماثلة إلى القرن الثاني الهجري ، وفي هذه المرحلة جاور المرقد الشريف عدد من المحدثين والمحبين وأصبح المسجد والروضة والصحن مأوى لطلاب العلم وأصبح الحديث حول المعارف الإسلامية يدور بينهم ويتداول فيما بينهم، ومن هنا ذُكر بأنَّ المحدثين والرواة والعلماء والفقهاء تجمعوا حول قبر الإمام الحسين رويداً رويداً منذ أن بُني على القبر الحسيني بنيان سنة 66هـ(685م) .

وأما المرحلة الثالثة فقد بدأت في منتصف القرن الثاني الهجري عندما قصدها الإمام الصادق سنة 144هـ (761م) واستقر في المكان الذي يسمى اليوم بمقام الإمام الصادق شمال كربلاء حيث تواصل الشعراء والفقهاء والمحدثون الشيعة حتى أصبحت أيامها كأيام سوق عكاظ مركزاً لقراءة الأشعار البليغة وذلك في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني الهجريين، وبوصول الإمام الصادق إلى أرض كربلاء مع ثلة من أصحابه وأهل الحجاز ازدلفت إليه الشيعة من رواد العلم، ولما اتسعت رقعة هذه المدرسة العلمية خاف المنصور الدوانيقي العباسي أن يفتتن به الناس من إقبال العلماء واحتفائهم وإكرامهم به فبعث إلى أبي حنيفة ليطلب منه مساعدته حيث يذكر الذهبي في هذا المقام قائلاً: لما أقدمه المنصور الحيرة، بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة، إنَّ الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك الصعاب، فهيأت له أربعين مسألة ثم أتيت أبا جعفر، وجعفر -الصادق- جالس عن يمينه فلما بصرت بهما، دخلني لجعفر -الصادق- من الهيبة ما لا يدخلني لأبي جعفر -المنصور-، فسلّمت وأذن لي فجلست ثم التفت إلى جعفر فقال: يا أبا عبد الله -الصادق- تعرف هذا؟ قال: نعم هذا أبو حنيفة، ثم أتبعها: قد أتانا، ثم قال: يا أبا حنيفة، هات من مسائلك نسأل أبا عبد الله، فابتدأت أسأله فكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا، فربما تابَعَنا وتابعَ أهل المدينة، وربما خالفنا جميعاً، حتى أتيتُ على أربعين مسألة ما أخرِمُ منها مسألة، ثم قال أبو حنيفة: أليس قد رَوينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟ .

وبعد أن مارس المنصور العباسي الضغط على الإمام الصادق ترك كربلاء وعاد إلى المدينة بعيداً عن مركز القرار العباسي في بغداد، ولكن الموالين تعاهدوا دار الإمام الصادق وشاع بأنه اشترى الأرض التي حولها على النهر الذي يُغذّي كربلاء وأوقفها لتكون مقراً للزائرين والوافدين .

والإمام الصادق هو ممن حثَّ الموالين للسكن في كربلاء حيث يسأله الراوي إني بعت ضياعي وكل شيء لي لأنزل مكة، فقال : «لا تفعل، فقال: ففي المدينة، فلم ينصحه بذلك، فقال: فأين أنزل؟ قال: عليك بالعراق الكوفة، فإن البركة منها على اثنتي عشر ميلا هكذا وهكذا، والى جانبها قبر ما أتاه مكروب ولا ملهوف إلا فرَّج الله عنه» وأراد بذلك كربلاء ، وهناك أحاديث مروية عن أئمة أهل البيت تحث على السكن في كربلاء، ولعل لهذه الروايات كان لها الأثر الكبير لتأسيس مثل هذه الحاضرة العلمية فيها، وقد تنبأ الامام السجاد حين قال: كأني بالقصور وقد شُيّدت حول قبر الحسين وكأني بالأسواق قد حُفَّت حول قبره، فلا تذهب الأيام والليالي حتى يُسار إليه من الآفاق وذلك عند انقطاع ملك بني مروان وبني العباس ....)).



العودة إلى الأعلى