قبّة مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) في مذكرات الرحالة والمستشرقين
بقلم/ غسان العقابي
مرّت القبّة الحسينية المشرفة بمراحل عديدة دوَّنها الكثير من الرحالة والمستشرقين ممن زاروا كربلاء، ويعد الرحالة أبو طالب خان، أول من قام بتدوين تشييدها خلال رحلته الى مدينة كربلاء بعد واقعة الوهابية بفترة قصيرة، وكان قد قال فيها: «أن ملك بلاد فارس محمد خان القاجاري، رمّم قبل سنوات عدة مضينَ صحن مشهد كربلاء، والقبّة كلها مغطّاة بصفائح من ذهب وداخل المشهد مزوق بالتزاريق والتذاهيب..».
وفي حدود عام 1267هـ زار المستشرق الألماني (نولدكه) كربلاء ووصف المرقد الحسيني بقوله: "إن مرقد الإمام الثالث الحسين بن علي (عليهما السلام) يقع في ساحة الصحن التي تقدر مساحتها بـ (354 × 270) قدما، وهو محاط بأواوين وزوايا، وقد زخرفت جدرانها بشريط مطعم مستمر متلألئ، وقيل أنه يحتوي على كتابات قرآنية بالكاشي الازرق والأبيض وأن البناء الرئيس يدخل إليه بواسطة الإيوان الذهبي الخارجي والروضة نفسها محاطة بأروقة معقودة يستطيع الزائرون الطواف حول المرقد من هذه الأروقة وتعلوها قبة شاهقة تحيط بالمرقد على شكل نصف دائري وفي وسط مركز قاعدتها من الاسفل ضريح من الفضة يبلغ وزنه (109-122) رطلا.."، هذا بحسب ما ورد في موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء ص/203 لجعفر الخياط، وبعدها في عام 1270هـ زار كربلاء عالم الآثار الانكليزي المستشرق لوفتس، ووصف الروضة الحسينية بقوله: "..أن قبّة الحسين (عليه السلام) وحدها مكسوّة بالذهب في كربلاء..".
وتجدر الاشارة الى زيارة الرسام روبرت كلايف الانكليزي عام (1279هـ - 1862م) حيث قام برسم المرقد الحسيني عن قرب في وقت انعدم فيه التصوير، ويبدو أنه رسم الموقع بدقة والظاهر أنه استقر على الزاوية الجنوبية الشرقية وأخذ يرسم لوحته المعبرة عن الواقع الماثل أمامه ومما ظهر فيها القبة الذهبية.
وبحسب الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي عن تاريخ المراقد (ج/2- ص:187) في (نظرة المستشرقين والرحالة الى الروضة الحسينية) بقوله: "فأن عنقها أي (القبة) محزّم بكتيبة المينا، كما أن رقبتها تحتوي على عدد من الشبابيك كما هو اليوم، ويظهر منها أنها كانت تضمُّ أثني عشر شباكا، وربّما لم تكن شبابيك بل مجرد أقواس وتزينات قاشانية كسيت الجدران بها، حيث يُذكر أن المنافذ فتحت عام 1297هـ، وللجمع بين ما نصَّ على ذلك.
وما نشاهده في الرسم يتبين لنا أن الفتحات جاءت في هذه المواقع باعتبار أنها لا تمثل أعمدة؛ بل هي مجرد جدار، كما هو ظاهر من الرسم".
ويرد جعفر الخليلي، في موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء (ص/ 296) أنه في عام 1281هـ الموافق: 1864م، زار العراق الرحالة جون اشر، ومن بين ما وصفه القبّة الذهبية بقول: ".. وللمسجد قبة مذهّبة الى جانب ثلاث منارات ومنها يرفع الاذان..".
وفي عام (1299هـ/1881م) زارت كربلاء الرحالة والأديبة الفرنسية مدام (جان مكَر ديولافوا)- (رحالة وأديبة فرنسية ولدت عام 1851م وتوفيت عام 1916م، بحسب جعفر الخليلي صاحب موسوعة العتبات قسم كربلاء ص/305) وقد شاهدت عن بُعد من على سطح أحد المنازل قبّة الضريح المقدس المكسوّة بالذهب..
وفي أوائل عام (1316هـ - 1898م) زار القنصل فردريك روزن الألماني كربلاء ووصف المدينة وصفا جميلا، ثم وصف المرقد الحسيني بقوله:
«لم يسمح لنا بالدخول لمرقدي الحسين والعباس والاخير في جامع واسع من القاشاني الأزرق أما الاول فمن طراز مماثل ولكنه أجمل منه، وتعلوه قبّة من النحاس المطلي بالذهب ولمّا نظرنا إليه في اليوم التالي من سطح بناية مجاورة اضطررنا أن نضع على أعيينا نظارة سوداء لحمايته من بريق القبة المذهبة».
وفي عودة على الرحالة الانكليز فقد وصفت الرحّالة غيرتورد بيل القبة المشرفة بعد زيارتها كربلاء عام (1327هـ - 1909م) بقولها: «..فأن هذا الضريح مُقصد وليس أقل قداسة من مكة، لكن لم تكن قبة ضريح الحسين (عليه السلام) الذهبية التي سببت الهجوم الاقوى على الخيال بالرغم من أن القبة تغطي الكنز الاثمن من القرابين التي يملكها أي ضريح..»، وتستمر رحلات المستشرقين بالعشرات لكن نقتنص منها ما تم توثيقه وممن تحدث عن القبة الذهبية ومنهم (السيدة ستيفنس) التي زارت كربلاء عام 1336هـ - 1918م ونشرت قولها في كتاب (على ضفاف دجلة والفرات المطبوع في لندن عام 1923م، وجاء فيه: «اذا كانت النجف تمثل رأس مركز الفكر الشيعي فأن كربلاء تعتبر قلب الفكر الشيعي كما أن كربلاء أهم من النجف لأن الحب والحماس الشيعي ينبع من كربلاء باسم الحسين (عليه السلام) المدفون في مكان عليه قبة ذهبية ويسمى بالحضرة الكبيرة الذي هو من أهم وأقدس الأماكن عند الشيعة».
وتتوالى الزيارات دون الاشارة الى تجديد بناء القبة او الالتفاتة الى عمارة فيها ومن زيارات المستشرقين زيارة الباحث د. بيتر كلارك الانكليزي عام 1346هـ - 1927م، وقد جاء في وصفه للروضة المطهرة ذكر القبة على هذا النحو، بقوله: «قبر الحسين (عليه السلام) في كربلاء بمنائره الثلاث وقبته المذهبة..».
ومن الرحالة العرب الذين وصفوا القبة المشرفة في نشرياتهم من يذكرهم د. الشيخ الكرباسي في تاريخ المراقد ومنهم (المصري محمد ثابت) الذي زار العراق عام 1350هـ -1931م، وزار الروضة الحسينية وكتب عنها: «..زرت مدفن الحسين (عليه السلام) تحت قبة من ذهب يسمونها الحضرة الكبيرة يؤمها خلق كثير وبخاصة في شهر محرم..»، ونجد أن وصف الكاتب هونيكمان الهولندي الذي زار الروضة الحسينية قبل عام 1354هـ - 1935م، بحسب ما ورد في الموسوعة الاسلامية على لسانه، قد اجاد التعبير عن جمال القبة المشرفة من الداخل، فهو يقول: «ان الانطباع العام الذي يحصل عليه الانسان داخل المشهد لا يماثله إلا ما يروى في الاساطير وذلك عند الشفق أو حتى أثناء النهار فهو معتم في الداخل دوما، وضوء العديد من المصابيح والشموع حول المشربية الفضية ينعكس ألف مرة ومن الف مرة اخرى من سطحيات ببلورية صغيرة لا عدَّ لها ولا حصر فتحدث تأثيرا سحريا خارج نطاق أحلام المخيلة، ثم يفقد الضوء قوته في سقف القبة فلا نجد إلا بضع سطحيات بلورية متألقة هنا وهناك كنجوم في السماء..».
وفي عام 1398هـ 1978م، نشر المستشرق الفرنسي جاك بيرك مقالا عن رحلة قام بها إلى كربلاء في عقود خلت ويذهب د. جليل عطية ان العقود كانت في العهد الملكي الذي بدأ نهاية 1339هـ، فقال بيرك:
«وما إن تتطلع بنظرك حتى تتعدد الرموز القبة المذهبة للإمام الحسين (عليه السلام) ترتفع إلى حوالى 35 متراً، وهي مرتبطة بقواعدها المربعة، وهذه التشكيلة الرائعة من الدوائر المتداخلة بالزوايا الحادة التي تسمو ويرنو لها كل معمار يحاول ربط هذا العالم بكربلاء..».
وفي لقاء جمعني بالمؤرخ سعيد زميزم، بادلني اطراف الحديث عن توثيقه حدث خاص بالقبة الذهبية، اشار فيه الى فتح شبابيك في القبة سنة (1954م) بقوله: "قام سادن الحرم الحسيني المطهر سنَتَها السيد عبد الصالح الكليدار بوضع وفتح شبابيك في داخل القبّة المباركة، فيما جرت عليها بعض أمور الصيانة والادامة للحفاظ على مكانتها الحضارية والتاريخية".



