قلب بغداد الثقافي ومختبر الحِرف المرتبطة بالذاكرة الورقية

: فريق التحرير 2026-01-25 09:49

لا يبدو شارع المتنبي، الواقع في قلب العاصمة بغداد، مجرد سوق لبيع الكتب، بقدر ما هو فضاء ثقافي مفتوح، تختزن أزقته ذاكرة العراق الفكرية، وتعمل محلاته وورشُه الصغيرة كمختبر حي لصناعة الكتاب وحفظه، في زمن تتراجع فيه العلاقة مع الورق لصالح الوسائط الرقمية.

منذ تأسيسه مطلع القرن العشرين، ارتبط اسم شارع المتنبي بالثقافة والكتاب والمعرفة، حتى أصبح رمزا ثابتا في المشهد الثقافي العراقي، ومقصدا أسبوعيا للكتّاب والباحثين والطلبة، ومتنفسا عاما للنقاش الفكري والحراك الأدبي.

عدة تسميات

يحمل الشارع تاريخا متعدد الطبقات، فقد عُرف قبل تسميته الحالية بعدة أسماء، منها نسبة إلى المخابز التي كانت تنتشر في المنطقة خلال العهد العثماني. 

وفي عام 1932، أُطلق عليه رسميا اسم الشاعر العربي الكبير أبي الطيب المتنبي، في خطوة رمزية عكست توجه الدولة آنذاك نحو ترسيخ الهوية الثقافية لبغداد الحديثة.

ومع ظهور أول مطبعة في العراق في القرن التاسع عشر، بدأ الشارع يتحول تدريجيا إلى مركز للطباعة والنشر، ثم إلى سوق دائم للكتب والمخطوطات والصحف، ليلعب دورا محوريا في تداول المعرفة خارج الأطر الرسمية.


فضاء ثقافي مفتوح

لا يقتصر حضور شارع المتنبي على بيع الكتب فقط، بل يتجسد بوصفه ساحة ثقافية عامة. ففي كل يوم جمعة، يتحول الشارع إلى ما يشبه المنتدى المفتوح، حيث تنتشر بسطات الكتب على الأرصفة، وتُعقد النقاشات الفكرية، وتُعرض الإصدارات الجديدة، وتلتقي أجيال مختلفة حول الكتاب.

وتتنوع المعروضات بين كتب الفلسفة والفكر السياسي، والأدب العربي والعالمي، والتاريخ، والمخطوطات النادرة، إضافة إلى الصحف والمجلات القديمة، ما يجعل المتنبي أرشيفا حيا للثقافة العراقية الحديثة.


حرف تقاوم الاندثار

إلى جانب المكتبات، يحتضن شارع المتنبي عددا محدودا من ورش تجليد الكتب اليدوي، وهي من أقدم الحِرف المرتبطة بصناعة الكتاب. داخل هذه الورش الصغيرة، يعمل حرفيون مخضرمون على إعادة الحياة لكتب قديمة، عبر خياطة الملازم يدويا. وترميم الصفحات التالفة، وتجليدها بأغلفة جلدية أو قماشية تقليدية.


ويقول عاملون في هذا المجال إن زبائنهم غالبا ما يكونون باحثين وأساتذة جامعات وأصحاب مكتبات خاصة، يسعون إلى الحفاظ على كتب نادرة أو وثائق شخصية من التلف. ورغم التطور التكنولوجي، لا تزال هذه الحرفة تحظى بطلب محدود، بوصفها فعل حفظ للذاكرة أكثر من كونها خدمة تجارية.


تحديات العصر الرقمي

يواجه شارع المتنبي، كغيره من الفضاءات الثقافية التقليدية، تحديات متراكمة، أبرزها تراجع الإقبال على الكتاب الورقي، وانتشار القراءة الإلكترونية، إضافة إلى غياب الدعم المؤسسي للحرف التراثية المرتبطة بصناعة الكتاب.

كما تأثر الشارع خلال فترات العنف التي شهدتها بغداد، ولا سيما تفجير عام 2007، الذي ألحق أضرارا كبيرة بالمكان. ورغم ذلك، أعيد ترميمه لاحقًا، وعاد ليؤدي دوره الثقافي، مدعومًا بإصرار المثقفين ورواد الشارع على استعادته كرمز للمدينة.


ذاكرة حية

اليوم، لا يزال شارع المتنبي يحتفظ بمكانته بوصفه ذاكرة ثقافية حية، تتجاور فيها الكتب القديمة مع الإصدارات الحديثة، وتقاوم فيها الحِرف التقليدية خطر الاندثار، ويستمر فيه اللقاء بين الماضي والحاضر.

فالمتنبي مساحة تعبر عن علاقة العراقي بالكتاب، وعن إصرار الثقافة على البقاء، رغم التحولات السياسية والتكنولوجية. وهو، بهذا المعنى، شاهد حيّ على أن الكتاب في بغداد لا يزال يمتلك مكانا، حتى في أكثر الأزمنة صعوبة.

العودة إلى الأعلى