قَرنان على حادثة المناخور واستباحة كربلاء
هيئة التحرير
من أبشع جرائم العثمانيين التي ارتكبوها ضد الشيعة هي حادثة نجيب باشا في كربلاء عام (1258هـ/1842م) حينما انتفضت هذه المدينة على السياسة العثمانية الجائرة المستبدة فحاصرها نجيب باشا الذي عرف بحبه لسفك الدماء لإخضاعها فقصفها بالمدافع وقطع النخيل وأغار المياه حتى استطاع دخولها بجيشه واستباحها قتلاً ونهباً وتدميراً حتى اصطبغت أرضها بالدماء.
وحاولت المصادر العثمانية والغربية بكل جهدها تشويه هذه الحادثة, ونشر الأكاذيب والشائعات حولها بما يتفق مع مصالحها, فوصفت الذين ثاروا على السياسة العثمانية الجائرة من أهالي كربلاء بالعصاة والأوباش والأراذل والهاربين من وجه العدالة, ووصمهم بكل شائنة, فأطلقوا عليهم كلمة (اليارامز), وهي كلمة تركية تطلق على الأشرار, كما عبر عنها الرحالة (جيمس فريزر) في رحلته ص (174) والذي بدوره زاد في افترائه على هؤلاء الثوار فنعتهم باللصوصية وقاطعي الطرق.
فيما يستمر تجاهل (الرحالة) لسياسة العثمانيين المستبدة تجاه أهالي كربلاء, وعدم التفاتتهم للمعاملة السيئة التي كان يعامل بها العثمانيون الأهالي ولا للضرائب الباهظة التي كانت تُجبى من الناس لصالح الحكومة العثمانية والتي قدرت بـ (35.000) قِران في كل سنة.
وكان ذلك في عهد داود باشا الذي كان آخر المماليك في العراق, والذي حكم من (1232ــــ1247هـ/1816ــــ1831م), وبعد انتهاء حكم المماليك عينت الحكومة العثمانية علي رضا باشا -اللازــ والياً على بغداد فحكم من (1247ـــــ1258هـ/1831ــــ1842م), وقد ضاعف هذا الوالي الضرائب التي كانت تُجبى من أهالي كربلاء إلى ضعفين, كما يذكر المرحوم الأستاذ عباس العزاوي في كتابه (تاريخ العراق بين احتلالين) ص65.
سياسة الاستبداد وممارسات جائرة
لم يترك علي باشا المدينة دون أن يمتهن أهلها ويطبق عليهم سياسة الاستبداد فيذكر المؤرخ (عبد الرزاق الحسني) أن "علي باشا (أبقى فيها حامية من الجماعة المناوئة لعقائد أهلها من بني سالم والكبيسات)، ولا يخفى ما لهذه السياسة من أثر سلبي في نفوس أهالي كربلاء حيث لعبت العصبية المذهبية دورها في تلك السياسة, فكان أعضاء الحامية يعاملون الأهالي بقسوة مما كوّن غضب شعبي ضد الحكومة أدى إلى اندلاع الثورة، وتقول عن ذلك (ديلك قايا) في كتابها (كربلاء في الأرشيف العثماني) (دراسة وثائقية 1840ــــ1876م) ص191: "إن السياسات الخاطئة التي استخدمت في عهد ولاية علي رضا باشا كانت عاملاً مؤثراً في ظهور حادثة كربلاء".
وكان هذا الوالي يضمُّ إلى جانبه قطاع الطرق واللصوص الذين كانوا ينهبون قوافل التجار وزوار المراقد المقدسة في نواحي الحلة والنجف وكربلاء, ويوفر لهم الحماية وهو يعلم بانحرافهم ليستعين بهم في حملاته, وتستطرد (ديلك قايا) في بيان أسباب الثورة فتقول في نفس الكتاب ص192:
"لقد جعلت أحداث السرقة وقطع الطريق التي تمت في بغداد بشكل عام في بدايات القرن التاسع عشر أهالي كربلاء في اضطراب دائم, وهو ما جعلهم يرفضون تبعيتهم للدولة العثمانية, وهناك أمر آخر أغضب أهالي كربلاء وهو التأخر في مجال الزراعة, فبينما كانت كربلاء تنتج عشرة آلاف كيلة من الحبوب في عهد داود باشا آخر ولاة المماليك, ولم تتمكن من إنتاج نفس النسبة في (13-14) سنة الأخيرة, وبعدما كان أهالي كربلاء يقتربون من إيران بسبب المذهب فقط, أصبحوا يفكرون في التخلي عن الحكم العثماني كليا بسبب سوء الحالة الاقتصادية، وهناك سبب آخر دعا لعدم استقرار الأمور في كربلاء, وهو الأصول المتبعة التي طبقها (علي رضا باشا) في جمع الأعشار من الأهالي, فبجانب الضرائب الباهظة التي كانت تجمع من الأهالي كان الملتزمون - أي جامعي الضرائب - يتعاملون بقسوة مع الأهالي أثناء جمع تلك الضرائب إذا لم يحققوا شيئاً زائداً للوالي, وعلى هذا كانت تلك الضرائب سبباً في نفور الأهالي من الإدارة".
ولم تقتصر هذه الممارسات والسياسات الجائرة على كربلاء وحدها, بل شملت باقي مدن العراق مما سبب في تكوين رأي سلبي, وغضب ثوري ضد الحكومة العثمانية, كما لم تسلم هذه الممارسات الظالمة من ردود أفعال ثورية قوية من قبل أهالي كربلاء, فقد جرت حوادث خطيرة سبقت حادثة المناخور في عهدي داود باشا, وعلي رضا باشا قبل تولي نجيب باشا الذي جرت في عهده الحادثة.
العثمانيون والتعصب المذهبي
كان نجيب باشا من المقربين إلى السلطان, وكان شديد القسوة في إجراءاته, ولما علم أن كل الحملات التي ساقها من سبقه لم تخضع المدينة للسياسية العثمانية الجائرة, فقرر في السنة الثانية من حكمه أي في عام (1843م) إخضاع المدينة بالقوة.
ولعب تعصبه المذهبي دوراً كبيراً في حنقه عليها, وتصميمه على إبادتها, وهناك سبب آخر جعل الحكومة العثمانية تقول كلمة الفصل في كربلاء حيث وضعت نصب عينيها مسألة تقوية السلطة المركزية للدولة في الولاية لتحقيق مركزية الإدارة, لكي لا تعيش مشكلة أخرى مثل مشكلة مصر التي كانت تدار من قبل الولايات العثمانية, وكان ولاتها على طاعة أمراء المماليك حتى عام (1841م) عندما قضى محمد علي باشا على المماليك, وجعل إدارة مصر شبه مستقلة, وانتقلت إدارتها إلى أسرته.
وكانت هذه المشكلة تشغل أذهان العثمانيين, فعملوا جاهدين على عدم تكرارها, وعهدوا مهمة إخضاع كربلاء إلى نجيب باشا الذي عرف بسياسته القاسية, ودهائه السياسي, وجعلوا نصب عينيه هذه المهمة, وقد أعد نجيب باشا عدته للهجوم على المدينة, وإخضاعها للسلطة العثمانية منذ أن تولى الحكم، فأرسل تقريراً إلى الحكومة طلب منها إرسال العمال الذين لديهم خبرة في عمل البارود, واستخدام المدافع وغيرها من الآلات الحربية, وعمل قواعد للمدافع اللازمة للتحصينات من أجل حملته على كربلاء.
العثمانيون وسياسة التفرقة
كان أول تحرك عسكري لإخماد الثورة بقيادة سعد الله باشا في (21/11/1842م), لكن هذا الهجوم لم يسفر عن شيء مما جعل نجيب باشا يقود الهجوم بنفسه حتى يقضي على حالة اليأس التي بدأت تحل بالجنود لصعوبة اقتحام المدينة التي حُصنت جيداً, وكان يقود الثوار في المدينة السيد إبراهيم الزعفراني -لا يزال هناك طاق في أحد أزقة كربلاء يسمى طاق الزعفراني-.
وكان يدور في ذلك الوقت نزاع فكري مذهبي بين الأصولية والإخبارية, واتسع هذا النزاع من أصول الفقه والإحكام إلى المعتقدات, وتسرب إلى التقليد والاجتهاد, فاستغل نجيب باشا هذا النزاع وكتب إلى السيد كاظم الرشتي الذي يعد من أبرز طلاب الشيخ أحمد الإحسائي زعيم الإخبارية, والذي انفرد بعده بطريقته الكشفية أن يتدخل ليوقف الثورة ويجنب المدينة كارثة مؤكدة.
ولما كان الرشتي يعلم أن لا قِبَلَ للأهالي على مقاومة هذه القوة الكبيرة المنظمة التي جاء بها نجيب باشا وهي تفوقهم عدة وعدداً, فقد طلب من الثوار تسليم أسلحتهم وإنهاء الثورة, فعزموا على فتح أبواب المدينة في اليوم الثاني, لكن بعض خصوم الرشتي حرضوا الثوار على عدم الإذعان.
وفي اليوم الثاني هاجمت القوات العثمانية المدينة وهدموا الأسوار، وعن ذلك قال (محمد زرندي في كتابه مطالع الأنوار (ص27 - 28) وأصله بالفارسية ترجمه شوقي رباني إلى الإنكليزية والقاضي عبد الجليل سعد إلى العربية ط القاهرة 1940):
"واستبيحت المدينة قتلاً ونهباً وهرب الناس إلى قبري الأمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام), وهرب آخرون إلى منزل الرشتي الذي جعله نجيب باشا مأمناً لمن لاذ به والتجأ اليه, وازداد عدد اللاجئين إليه فاضطر الرشتي إلى إضافة المنازل المجاورة لمنزله ليضم عدداً أكبر من اللاجئين, وازدادت الجموع التي هرعت إلى منزله حتى انه بعد هدوء الحالة وجدوا عشرين شخصاً توفوا من شدة الزحام".
انتهاك القدسية واستباحة الدماء
استبسلت المدينة بالقتال, لكن القوات العثمانية سيطرت على الوضع فتراجع الثوار, واحتمى عدد كبير منهم بصحني الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام), فشرعت القوات الحكومية بالنهب والسلب والتخريب واستباح الجند كربلاء مدة تتراوح بين ثلاث وخمس ساعات أهدرت فيها الكثير من دماء الأبرياء من الشيوخ والأطفال ولم ينج من القتل سوى من احتمى بصحن الإمام الحسين ودار السيد كاظم الرشتي والدور التي ضمها لتكون مأمناً.
وقد قتل كل من كان في صحن أبي الفضل العباس (عليه السلام), فعندما حاصر قائد الحملة باب الصحن الحسيني الشريف خرج إليه الحاج مهدي كمونة وطلب منه الأمان فأمر بالكف عن جميع من بالصحن الشريف، وفي الوقت نفسه كان بقية الجنود قد اتجهوا نحو صحن العباس الذي ازدحم بالناس وأغلقوا عليهم أبواب الصحن فتبعهم قائد الحملة, وأمر بقلع أحد الأبواب ودخل منه الجنود وشرعوا بقتل كل من فيه ولم يسلم من القتل حتى الأطفال والنساء, ولما حل المساء كانت المدينة في عداد الأموات, وتولى الحاج مهدي كمونة وصحبه حماية الصحن الحسيني, ورفع جثث القتلى من صحن العباس.
ودخل نجيب باشا المدينة من باب بغداد، وفي اليوم الثاني عاد الوالي مرة ثانية وأمر مناديه بالأمان, وسأل عن السيد وهاب الكليدار فأخبروه أنه هرب فعزله ونصب مكانه الحاج مهدي كمونة, ثم استخرج ورقة من جيبه فيها أسماء المطلوبين للحكومة العثمانية وطلب البحث عنهم وتسليمهم.
فقبض على السيد إبراهيم الزعفراني وكبّله بالأصفاد, وأرسله إلى بغداد حيث أودع السجن, فلم يلبث سوى أيام حتى مات بالدرن الرئوي, كما قبض على السيد صالح الداماد وعدد من الثوار وطُورد بعض الثوار وبعض السادة من آل نصر الله والنقيب.
وأمر نجيب باشا بإبقاء ستمائة جندي كحامية للمدينة ثم غادرها إلى النجف وقد أرخت هذه الواقعة بكلمتي (غدير دم) ويقابل ذلك بحساب الجمل السنة (1258هـ/1843م) وصادف ذلك اليوم الثاني لعيد الأضحى.
الروايات و(غدير دم)
اختلفت الروايات في عدد القتلى من أهالي كربلاء, وما فقد من أموال ومجوهرات أثناء استباحة المدينة, فقال السيد حسين البراقي في الدر المنثور:
انهم (24 ألف قتيل ما بين رجل وامرأة وطفل ومنهم سحقا بالأرجل).
وقال الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء في (العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية):
(كان عدد القتلى زيادة على عشرين ألف رجل وامرأة وصبي وكان يوضع في القبر الأربعة والخمسة إلى العشرة ويهال عليهم التراب بلا غسل ولا كفن).
ونقل السيد عبد الحسين الكليدار في كتابه (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء ص45) عن زنبيل فرهاد ميرزا معتمد الدولة قوله:
(ومن المحقق أن تسعة آلاف شخص قد أبيدوا عن آخرهم في تلك المدينة المقدسة فضلا عما نهب من الأموال والأحجار النفيسة وأثاث البيوت والكتب).
وقال الأستاذ جعفر الخليلي في (موسوعة العتبات المقدسة ـــ قسم كربلاء ص279): (إن عدد القتلى بلغ أربعة آلاف نسمة).
وجاء في تقرير (فارنت) المندوب البريطاني عن حكومته إلى كربلاء المؤرخ في (15/5/1843): (أن عدد القتلى لم يزد على الخمسة آلاف نسمة).
وذهب الكاتب محمد طاهر الصفار الى ان الاتراك كان لهم موقف معادي من الشيعة فكتب في مقالة له نشرتها العديد من المواقع الالكترونية: "نزع الأتراك في كل عصورهم التي غزوا البلاد الإسلامية فيها على اتخاذ موقف معادي للشيعة وانتهاج سياسة همجية وقاسية تجاههم فامتلأ تاريخ دولهم بصفحات سوداء وعمليات إبادة بحق الشيعة في كل زمان ومكان وتشير المصادر إلى أنهم ـ أي الأتراك ـ كانوا يحاولون بشتى الطرق إبادة هذه الطائفة واستئصالها عن بكرة أبيها".
(غدير دم) والرأي الدولي
قد أثارت هذه الحادثة الرأي العام الدولي فطلبت إيران وروسيا وانجلترا عقد مباحثات مع الدولة العثمانية للوقوف بشكل صحيح عن أسباب الحادثة, وكان نجيب باشا هو أول من أعطى معلومات عن هذه الحادثة لروسيا وانجلترا لكن هاتين الدولتين تأكدتا من أن المعلومات التي أدلى بها نجيب باشا غير صحيحة بناء على المعلومات التي وصلت اليهم, فكلفت الحكومة العثمانية نامق باشا لبحث الحادثة كما استدعت سعد الله باشا لأخذ أقواله كونه يعد المسؤول الثاني عن الحادثة بعد نجيب باشا.
وجرت مباحثات طويلة بين العثمانيين والروس والإنكليز والإيرانيين عن هذه الحادثة وما سببتها من أزمة سياسية بين الدولتين العثمانية والإيرانية استمرت أربع سنوات انتهت بمعاهدة (أرضروم).



