حين يتكلّم الأرشيف: الباحث "النعمة" يحاور ذاكرة الإعلام الحسيني

2025-10-23 09:50

قراءة في كتاب "العتبة الحسينية في مرآة الإعلام على مدى مئة عام" للباحث حسين النعمة

قراءة: صباح الطالقاني

يُعد هذا الكتاب منجزاً توثيقياً وإعلامياً في مجال الدراسات الحسينية، يجمع بين الرصد التاريخي والتحليل الإعلامي في إطار منهجي ، ما يجعله مرجعاً للباحثين في الإعلام الديني والدراسات الشيعية المعاصرة.

المؤلف لم يكتفِ بسرد تاريخي تقليدي، بل تعامل مع العتبة الحسينية ككيان رمزي مركزي في الوجدان العراقي والعربي والإسلامي، وتحولاتها ضمن السياقات السياسية والإعلامية والاجتماعية خلال قرن كامل.

الفصل الأول: النشأة والمقام

ابتدأ الكتاب بأساس متين من خلال تقديم "موجز تاريخي" عن النشأة المعمارية والروحية للعتبة، فيعرض تطور المكان من القبر الشريف إلى الحرم المقدس، مشيراً إلى دور الرحالة والمؤرخين في توثيق هذا التحول.

وبتوصيف المعمار والحملات التوسعية، يُبرز المؤلف كيف أن "المكان نفسه يخاطب الزمان بلغة من حجر ونور"، وفق ما ورد في إحدى الجمل البليغة التي تشدّ القارئ نحو دلالات المكان.

الفصل الثاني: صورة العتبة الحسينية في الصحافة – من التوثيق إلى الترويج

يُعد هذا الفصل من أكثر الفصول تميّزاً من حيث التنوع في أدوات التحليل والانفتاح على مدارس إعلامية متعددة. يستعرض الكاتب تطور صورة العتبة الحسينية في الإعلام بدءاً من البدايات التوثيقية، وصولاً إلى دورها في الصحافة السياحية والاستقصائية والدولية، وحتى الإعلام الشيعي العابر للحدود.

ينطلق الكاتب من فكرة أن الصحافة في بداياتها كانت تقوم بـ"رصد وتوثيق" الحدث، لكنها تحوّلت تدريجياً إلى أداة "ترويج ثقافي وحضاري"، وهو تحول عميق في بنية الخطاب الإعلامي حول العتبة الحسينية.

واحدة من العبارات القوية في هذا السياق: "لم تعد العتبة تُذكر كحدَث، بل تُقدَّم كقيمة ثقافية"، مما يشير إلى ارتقاء الخطاب من وظيفته الخبرية إلى بعده الرمزي.

ويفرد الكاتب مساحة مهمة لدراسة صورة العتبة في "عيون المراسلين الأجانب"، في محاولة لفهم كيف تُبنى الرمزية الدينية من منظور خارجي. كما يُسلّط الضوء على "تحليل البعد البصري"، وهو جانب تقني مهم، يبرز كيف لعبت الصورة (الفوتوغرافية والفيديو) دوراً في ترسيخ حضور العتبة في الذهنية العامة.

وينهي هذا الفصل المهم بمحور "رسائل إعلام العتبة الحسينية"، في محاولة لتفكيك خطابها الداخلي وقراءته كمنتج إعلامي له جمهوره وأدواته وأهدافه.

الفصل الثالث: العتبة في الصحافة الوطنية والقومية

يُعد هذا الفصل مفصلياً، إذ يحلل بعمق الخطاب الإعلامي في الصحافة العراقية والعربية بين عامي 1950 و1990. هنا تظهر براعة الكاتب في تحليل الخطاب وليس فقط توثيقه، فيُبيّن كيف تعاملت الصحافة مع العتبة كرمز ديني وموقع سياسي ضمنيا. الجملة اللافتة: "كانت العتبة حاضرة دائماً في العنوان، حتى وإن غابت في المتن، دلالة على الرقابة والمخاوف من قدسيتها."

الفصل الرابع: زمن الأزمات والحصار

يتناول هذا الفصل الفترة ما بين 1990 و2003، حيث يرصد الكاتب تفاعل العتبة الحسينية مع الانتفاضة الشعبانية والحصار الاقتصادي.

ويقدّم رؤية عميقة عن دور العتبة كملاذ روحي ورمز مقاوم، مسلطاً الضوء على محاولة النظام السابق احتواء هذا الدور وتوظيفه إعلامياً، لكنه يشير أيضاً إلى "إرهاصات الوعي الجماهيري التي كانت تتنامى بصمت تحت الرماد."

الفصل الخامس: الإعلام والشتات

ينتقل الكاتب إلى الشتات الإعلامي والمعارض، محللاً كيف لعب الإعلام المغترب دوراً أساسياً في كشف الأحداث التي تعرضت لها العتبة. ويعرض صورة دقيقة عن الصحافة المنافية والمعارضة العراقية، مشيراً إلى بناء سردية بديلة خارج الرقابة الرسمية.

هنا يظهر تفوق الكاتب في قراءة النصوص الإعلامية بدلالاتها الرمزية: "في كل تقرير مغترب، كانت العتبة تخرج من كونها مكاناً إلى أن تصبح حجّة ضد الظلم."

الفصل السادس: العتبة بعد 2003 والإعلام المفتوح

يوثق هذا الفصل انفجار التغطيات الإعلامية بعد 2003، عبر الفضائيات والصحافة الإلكترونية، في ظل غياب القيود. يقدّم فهماً متماسكاً لتطور الخطاب الإعلامي و"الدبلوماسية الإعلامية الثقافية"، ويشير إلى تزايد الحضور النسوي والطفولي في التغطيات، وهي جوانب غالباً ما تغيب عن التوثيق التقليدي.

الفصل السابع: في الذاكرة الحيّة

يرصد هذا الفصل التفاعل اليومي والمباشر مع العتبة من خلال الإعلام التفاعلي والتقارير عن الزيارات المليونية. الجملة المعبّرة: "الذاكرة ليست محفوظة في الكتب، بل في خطى الزائرين ومشاهد البث المباشر."

الفصل الثامن: العتبة في مواجهة الأزمات

يتناول الكاتب دور العتبة الحسينية في الحروب والاحتجاجات وجائحة كورونا، محللاً ما يسميه بـ"الخطاب الإعلامي الديني المقاوم". ويبدو الكاتب هنا في ذروة التحليل، حيث يصف العتبة بأنها "ضمير المرحلة" التي اخذت تخاطب المجتمع خطاباً معتدلاً وتوعوياً من خلال خُطب الجمعة ووسائل الاعلام التابعة للعتبة المقدسة بكافة مفاصلها، بل مارس اعلام العتبة الحسينية دوراً قيادياً في أوقات الحرب ضد الإرهاب لشحذ الهمم وتشجيع المتطوعين والدعوة لدعمهم بكل السبل في سبيل الدفاع عن الأرض والعرض وتحقيق النصر، فيما يعرّج الكاتب على تعقيد تلك المرحلة ويوثق كيف خاطب الإعلام المأزوم ضميراً مجتمعياً مشحوناً بالألم والأمل معاً حيث مارس الاعلام المناوئ سواءً المحلي منه او العربي والاجنبي كل أساليب الابتزاز والاثارة واستغلال مطالب الناس لحرفها عن مواضعها...

الفصل التاسع: الصورة الخالدة

الفصل الختامي يعالج مكانة العتبة الحسينية في الضمير الإعلامي والرمزي، مشيراً إلى أسباب عودتها الدائمة إلى العناوين، وارتباطها بالهوية الروحية والثقافية. ويستشهد المؤلف بسؤال محوري: "لماذا لا تنسى الصحافة هذا المكان؟"، ليجيب عليه من خلال تحليل التمثلات الرمزية للعتبة في الإعلام الرقمي والحديث.

الخلاصة

الكاتب قدّم عملاً فريداً في جمعه بين التأريخ، وتحليل الخطاب الإعلامي، والتوثيق النوعي، وأظهر حساً نقدياً دون أن يقع في فخ السرد الإنشائي أو الخطاب العاطفي. إنه لمجال جديد في دراسات الإعلام الديني، حيث تصبح العتبة الحسينية مادة تحليل علمي، دون أن تفقد بعدها الروحي والوجداني.


العودة إلى الأعلى