ثورة العدالة الاجتماعية في فكر الإمام علي (عليه السلام)

: محمد طاهر الصفار 2025-03-19 08:47

لم تكن ثورة المسلمين التي سبقت خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) تمثل اتجاهاً واحداً يمكن أن يُشار إليه، بل كانت ثورة عارمة مثّلت الرأي العام الإسلامي بكل توجّهاته، ورغم تعددّ تلك التوجّهات في الأغراض والمصالح والأهداف إلّا أنها دخلت تحت شعار (العودة إلى مبادئ الإسلام) وهو الشعار الذي انتصر به الثوار الذين طالبوا بالثورة

فبعد أن أسفرت الثورة عن نتائجها المرجوّة التي كان يطمح إليها الثوار، كان على أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يقوم بدوره الذي أملاه عليه دينه السليم وفطرته النقية وروحه النبيلة، وهو أن يقيم مجتمعاً اقتصادياً يسوده العدل الاجتماعي على أسس الإسلام الصحيح، ويعيد للأمة نهجها الرسالي لتحقيق المبادئ الإنسانية التي عمل بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا إليها، بعد أن هُجرت تلك العدالة لأكثر من ربع قرن

كانت هذه الثورة بحاجة إلى إصلاح كل ما أفسد في الأمة من النظم الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي خالفت منهج الإسلام، وإزالة كل المخلّفات التي تركتها السياسة السابقة، ومن هنا كان لا بد لهذه الثورة أن تأخذ منحى التحوّل الجذري في الجانب الروحي والفكري إضافة إلى الجوانب الإقتصادية والإجتماعية

ثم هناك أمر في غاية الأهمية وهو تنقية الثورة من النفوس الشائبة، فهي وإن انطلقت على أساس تغيير الأوضاع الإجتماعية البائسة التي كانت تعيشها الأمة، فإن ذلك لا يعني انحصارها في إطار هذه الأوضاع، فقد تستّر وراء هذه الغاية النفعيون الذين حُرموا من عطائها، والأنتهازيون الذين حُرموا من المناصب التي كانوا يطمحون إليها، كما تستّر وراءها حتى من قريبا من السلطة السابقة التي أغدقت عليهم بالأموال فلما رأوا أن الثورة قائمة لا محالة انضموا إليها في محاولة الإنتفاع منها، فقد كان الجميع يحاول الاستفادة من هذه الثورة

أما الذين طالبوا بالعدالة الإجتماعية والتسوية في الحقوق والرجوع إلى مبادئ الإسلام فقد كانوا يعنون علياً منذ ارتفعت أصواتهم منددّة بسياسة الإثرة، وقد بُويع أمير المؤمنين (عليه السلام) بيعة بالإجماع لم يعرف لها التاريخ الإسلامي مثيلاً، وما أن تسلم الخلافة حتى أعلن ثورته الإجتماعية في تحقيق المساواة والعدل وإلغاء الفوارق الطبقية، فكانت ثورة شاملة أعاد فيها روح الإسلام ولا زالت جذوتها في النفوس والعقول

ولكن لم يكن الأمر بهذه السهولة فقد ظهرت جبهة النفعيين والتيارات المعارضة على حقيقتها إضافة إلى جبهة الشام، غير أن علي الذي مثّل الإسلام بأروع صوره حتى أصبح رمزاً له لم تكن تزيده كثرة العقبات وتعددّ الجبهات المعارضة سوى عزماً وإصراراً على التغيير الجذري، فسار على هدفه حتى النهاية دون تردد وتراجع وهو على يقينه من الحق الذي هو عليه

ولو أردنا أن نتصور صعوبة المهمة التي قام بها أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا التغيير، والأسلوب الذي انتهجه والذي أصبح مثالاً في التاريخ البشري، لا بد لنا من تسليط الضوء على الواقع الذي كان يعيشه المجتمع والذي أوضحه (عليه السلام) بقوله بعد أن بويع بالخلافة: 

لا لا يقولن رجال منكم غدا : قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيول أالفارهة، واتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا ! ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته، فإن الفضل النير غدا عند الله، وثوابه وأجره على الله . وأيما رجل استجاب لله وللرسول، فصدق ملتنا، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده . فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء وأفضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجراً ولا ثواباً وما عند الله خير للأبرار وإذا كان غداً فاغدوا علينا فإن عندنا مالاً نقسّمه فيكم ولا يتخلّفن أحد منكم عربي ولا عجمي كان من أهل العطاء أو لم يكن إلا حضر) 

كان هذا القرار في التسوية من أولى القرارات التي أصدرها (عليه السلام) بعد أن بويع بالخلافة، ثم أعلن عزل الولاة السابقين، واسترجاع القطائع والأموال وإزالة التمايز الطبقي الذي رفع من لا يستحق وخفض من لا يستحق، فدعا الى استرداد الحقوق إلى أصحابها بقوله

والذي بعث محمداً بالحق أنه لا بد أن يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا وليقصرن سباقون كانوا سبقوا

لقد كان هذا التغيير الثوري في ميدان العطاء يمثل خطراً على أولئك الذين أثروا ثراء فاحشاً في العهد السابق على حساب المسلمين الفقراء واكتنزوا الذهب والفضة، كما أثار ذلك أصحاب المراكز والطامعين الذين تمردوا على مبدأ المساواة في العطاء بصرف النظر عن الإنتماء القبلي والعرقي وهو المبدأ الذي كان معمولاً به في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والذي ألغي بعده، وجُعل بدله التمايز بالإنتماء القبلي والعرقي، وبلغ هذا التمايز الطبقي حداً بشعاً فكان السبب في الثورة والانقلاب الجماهيري  

لذا يمكن القول: إن إقرار الإمام (عليه السلام) مبدأ المساواة في العطاء، يُعد انقلاباً اجتماعياً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات، وهو الذي عاد بالمجتمع والأمة إلى النظام الأصيل للإسلام والنهج القويم للنبي (صلى الله عليه وآله) الذي ألغى الفوارق الطبقية، وهذه السياسة كانت كفيلة بإنهاء جوع الفقير وسد حاجة المحروم الذي سببه احتكار الأغنياء للثروة، فقد أعلن (عليه السلام)

إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ اَلْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ اَلْفُقَرَاءِ فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلاَّ بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ واَللَّهُ تَعَالَى جَدُّهُ سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ

كما كان له موقف حاسم وحازم من الأملاك والأموال التي اقتطعت سابقاً فأعلن (عليه السلام) ردها إلى ملكية الدولة وحوزة بيت المال

وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ اَلنِّسَاءُ وَمُلِكَ بِهِ اَلْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ فَإِنَّ فِي اَلْعَدْلِ سَعَةً وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ اَلْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ

فاتسعت جبهة المعارضة ليعلنوا الحرب، فكما حارب علي (عليه السلام) كفار قريش لإرساء دعائم الاسلام، فقد حمل السيف للدفاع عن مبادئ الإسلام وتطبيق شريعته، فتجسد في سياسته روح الإسلام التي تنكّر لها المنافقون فنقضوا البيعة وفارقوا الطاعة وشقّوا الصفوف بعصا الخلاف، لكن علياً لم يثنه عن موقفه المبدئي شن الحروب عليه وبقي متمسكاً به

مالي ولقريش والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم

ويقول لأخيه عقيل: (دع عنك قريش وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله قبلي)

وتتسع رقعة المعارضة في الأمصار وتتسلل فلول المنهزمين من حرب البصرة مع غيرهم من الأغنياء وبقية الأمصار إلى الشام لينضموا إلى جبهة الشام ولكن علياً القائل: (لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه). لم يكن ليضيره انضمام هؤلاء إلى معسكر الباطل ورغم تأزّم الظروف فإنه كان مطمئناً وهو يحارب، حرب الحق وينتصر للعدالة بالعدل فيكتب إلى عامله على المدينة سهل بن حنيف

أما بعد فقد بلغني أن رجالاً ممن قبلك يتسللّون إلى معاوية فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم فإنما هم أهل دنيا هم مقبلون عليها قد عرفوا العدل ورأوه وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة فهربوا إلى الإثرة فبعداً لهم وسحقاً

كما ينهى الولاة عن الإثرة وتفضيل ذويهم على غيرهم من المسلمين فهم خزان للمال وليسوا بمتسلطين عليه والمال لجميع المسلمين فعندما بلغه أن عامله على أردشير مصقلة بن هبيرة الشيباني يفضّل أهله على غيرهم في العطاء كتب إليه

بلغني عنك أمراً إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وأغضبت إمامك إن حق من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء

كما يكتب إلى الأسود بن قطيبة صاحب جند حلوان

أما بعد فإن الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيراً من العدل فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فإنه ليس في الجور عوض عن العدل

ويوصي الأشتر في عهده التاريخي الخالد عندما ولاه مصر من ضمن وصاياه: وإياك والإستئثار بما الناس فيه أسوة فعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم

ويأتي إليه أخوه عقيل بن أبي طالب وقد افتقر أشد الفقر وتغيرت وجوه أولاده من الجوع ليطلب من أخيه صاعاً من القمح فيصف لنا أمير المؤمنين هذا الموقف في خطبته فيقول :

والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً، أو أجر في الأغلال مصفّداً، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها، والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعاً، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من فقرهم كأنما سوّدت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكداً وكرر عليّ القول مردداً، فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقتي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى).

ويأتي إليه عبد الله بن زمعة وهو من شيعته يطلب منه مالاً فقال له

(إن هذا المال ليس لي ولا لك، وإنما هو فـيء للمسلمين وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم وإلا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم

ويقول من خطبة له

من استهان بالأمانة ورتع في الخيانة ولم ينزّه نفسه ودينه عنها فقد أحل بنفسه الذل والخزي في الدنيا وهو في الآخرة أذل وأخزى وإن أعظم الخيانة خيانة الأمة وأفظع الغش غش الأئمة

وعند خروجه من البصرة قال

ما تنقمون مني وأشار إلى قميصه والله انه من غزل أهلي. ما تنقمون مني يا أهل البصرة وأشار إلى صرة في يده فيها نفقته والله ما هي إلا من غلتي في المدينة وإن خرجت عنكم بأكثر مما ترون فأنا عند الله من الخائنين

ومن خطبة له (عليه السلام

(ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد، فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادخرت من غنائمها وفراً ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ولا حزت من أرضها شبراً ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة ولهي في عيني أوهى من عفصة مقرة

هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرى أو أكون كما قال القائل

وحسبكَ داءً أن تبيتَ ببطنةٍ *** وحولكَ أكبادٌ تحنُّ إلى القدِّ

أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش. فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها

إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك قد انسللت من مخالبك وأفلت من حبائلك

اعزبي عني فوا الله لا أذل فتستذلّيني ولا أسلس لك فتقوديني

هذا هو علي النهج الإلهي المشرق الذي مثل أعظم دور في العدالة الإجتماعية في التاريخ البشري، هذه هي سياسة الحق والعدل والنبل والمساواة .. سياسة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهذه هي نفحة من نفحات هذا الإنسان المقدس

العودة إلى الأعلى