حِرف على الحافة.. القصب والنحاس والطين والصوف في العراق
لا تختفي الحِرف العراقية لسبب واحد فقوارب الأهوار تتأثر بالماء، وسوق الصفافير بالمستورد، والفخار بالبلاستيك والمعدن، والسجاد اليدوي بغياب الجيل الجديد الذي يحمل المهنة. وكانت الحوير، شمال البصرة بنحو 80 كم، مركزاً لصناعة المشاحيف والترادات. ونقلت "العربي الجديد" عن حرفيين هناك أن عدد الصنّاع بلغ نحو 2000 في الستينات، وأن بعضهم تحوّل إلى نجارة الأبواب والنوافذ والأثاث لأن انقطاع الماء أوقف الطلب، وقال أحدهم إن ما حدث معادلة بسيطة: بلا ماء لا توجد صناعة قوارب. وفي تقرير للوكالة الفرنسية قال نجّار من الحوير إنهم"آخر جيل" يبني المشاحيف في المنطقة. هذه تصريحات حرفيين وليست إحصاءات رسمية، وتعود إلى عامي 2021 و2023 تقريباً.
ومن جهة أخرى، تعمل "مشاريع سفينة" بقيادة الفنان رشاد سليم على إحياء القوارب التقليدية. وبحسب موقع المشروع "سفينة للعراق"، جرى إعادة بناء أربعة أنواع: القوفة في الحلة، والمشاحيف ومنها الترادة في الحوير، والزيمات (قوارب السعف أو القصب) في الحوير أيضاً، والأسبية والدليل في هيت. وأشارت النشرة السنوية للمشاريع إلى مرور 10 سنوات على انطلاق مشروع "السفينة المُعاد تخيّلها" في سبتمبر 2025، وإلى مؤتمر لكشافة المياه عُقد في البصرة بين 24 و26 ديسمبر 2025 لتدريب الشباب على الملاحة التقليدية.
وتفسّر أحوال الأهوار سبب هذا الاتصال بالماء. فبحسب موقع "فاناك"، جفت مساحات من الأهوار بالكامل بين 2021 و2025، ثم جلبت أمطار الشتاء انتعاشاً هشاً، ونقلت رويترز في مايو 2026 عودة مربّي الجاموس والصيادين إلى مناطق كانت مهجورة. لكن مقالاً لمكتب الأمم المتحدة في العراق يقدّر أن قطعان الجاموس تراجعت بأكثر من 76%.
وفي يونيو 2026 ذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن أكثر من 8,498 عائلة في ذي قار نزحت بسبب الجفاف، وأن نساءً في الجبايش توقفن عن حرفة نسج القصب والسعف لأن المادة الخام صارت شحيحة. ودرب البرنامج أكثر من 50 امرأة بين يناير ومايو 2026 على المشغولات من القصب والسعف ومشتقات الحليب والأزياء التراثية، مع تدريب على التسعير والتسويق الرقمي.
ملاحظة: لم أعثر على مصدر حديث يحصي عدد صانعي القوارب القصبية تحديداً في الأهوار، وما ورد أعلاه عن الحوير يخص القوارب الخشبية أكثر.
ويُنسب اسم سوق الصفافير في بغداد إلى "الصفر"، الاسم المحلي للنحاس. ونقلت الجزيرة الإنجليزية في 2018 عن صفّار أن عدد المشتغلين بالنحاس بلغ 68 وصار 10 فقط، وأن عدداً قليلاً منهم يطرق النحاس فعلاً، وأن نحو 90% من السوق تحوّل إلى محلات أقمشة بعد 2003. ونقلت شينهوا عام 2019 عن حرفي أن السوق ضم نحو 194 محلاً وورشة، وأن ما بقي قليل، مع مطالبة بمنع استيراد النحاسيات الرخيصة. وذكرت رويترز أن إبريق القهوة المصنوع يدوياً يباع بنحو 25 إلى 33 دولاراً، بينما يباع المستورد بأقل من 12.
وفي مقال نشرته "مجلة الشبكة العراقية" قبل نحو عشرة أيام، تحلّ محلات الأقمشة محل أزقة كانت للصفارين، وتراجع صوت الطرق، لكن الحرفي رضا جواد الصفار، الذي عمل نحو خمسين عاماً من عائلة ممتدة نحو 150 عاماً، لا يزال يطرق. وقال أمير محمد الصفار للجزيرة نت في سبتمبر 2025 إن السوق قبلة للسياح الأجانب ويحتاج إعادة تطوير. وتشير تقارير أخرى إلى أن أسواق الصفارين في مدن أخرى تعاني من الوضع نفسه، لكن سوق الصفارين في الموصل أعاد فتح أبوابه بعد إعمار وإغلاق دام ثلاث سنوات حسب الجزيرة نت (2019).
أحدث مصادر الفخار التي وجدتها تعود إلى نحو عام 2021 وما بعده، لذلك أعرضها كصورة من الماضي القريب لا كواقع مؤكد اليوم. ففي النجف قال الحرفي عادل الكوّاز لوكالة فرانس برس إنه كان يبيع آلاف القطع أسبوعياً إلى كل محافظات العراق، وصار يكاد يبيع 200 قطعة في السنة، وأن الجرة تشكل من طين النجف وتجفف في الظل ثم تُخبز 15 ساعة على الأقل، ويبلغ سعر الإبريق الصغير نحو 2,500 دينار والقدر الكبيرة 15 ألفاً. ونشرت شبكة نهرين (يونيفرستي كولج لندن) حواراً مع خزّاف من بابل قال إنه «آخر صانع فخار» في المحافظة وإن أبناءه يرفضون تعلّم الحرفة. أما في الموصل فنقلت "سكاي نيوز عربية" عن حرفي في حي الكوازين أن الزبائن لا يزالون يفضلون التنور الطيني على المعدني لأن الخبز فيه أطيب، وأن الحرفي ينتج نحو ثلاثة أو أربعة أفران يومياً. وهذا يعني أن منتجاً واحداً على الأقل لا يزال له سوق.
وللتساؤل عن الفرق بين التقاليد القديمة والممارسة اليوم، نشر باحثون من جامعتي توبنغن وميونخ في ديسمبر 2025 دراسة عن ورشة فخار عمرها نحو 3000 عام في موقع دينكا بكردستان العراق، بفرنين ومواد خام محفوظة، وهي تذكّر بأن الحرفة التي تتراجع اليوم كانت يوماً جزءاً من نسيج المدينة.
في يونيو 2026 نشر موقع "شفقنا العراق" تقريراً عن معمل السجاد اليدوي في قضاء عانة بالأنبار، الذي استعاد إنتاجه بعد أضرار لحقت به في فترة سيطرة تنظيم داعش، لكنه يعاني نقصاً حاداً في الكوادر الشابة بعد إحالة الحرفيين القدامى إلى التقاعد دون تعويضهم، حسب قائممقام القضاء، الذي طالب بدعم حكومي إضافي. وفي بغداد، نشرت مجلة شبكة الإعلام العراقي (إعلام رسمي) في 2025 أن معملين للسجاد اليدوي في الكاظمية وبقرب معمل السجاد الميكانيكي يضمان نحو 150 حرفياً وأكثر من 30 تصميماً، مع حضور نسائي واضح، وأن مصنعاً للسجاد اليدوي أُعيد تأسيسه عام 1993. وفي كركوك نشرت شفق نيوز في أكتوبر 2025 تقريراً عن مشروع لمؤسسة خاتون الثقافية يدرّب نساءً على الحياكة، وتسعى إلى إنشاء منفذ تسويقي دائم. وفي كردستان ذكرت الجزيرة نت في سبتمبر 2025 أن الصناعة تواجه تحديات كبيرة لكنها مستمرة في ورش الإقليم، مع تصريحات لحرفيين بأن عمرها يزيد على أربعة آلاف عام (ادعاء تاريخي لا يستند إلى مصدر أكاديمي).
تظهر الحالات أن المادة الخام والماء والسوق والجيل عوامل متشابكة. فالقصب شحيح حين يقل الماء، والنحاس لا ينافس المستورد الرخيص، والفخار ينافسه البلاستيك، والسجاد ينقصه الجيل الذي يتولاه. وما تشير إليه الحالات الناجحة مثل مشاريع سفينة وتدريب نساء الجبايش هو أن الحرفة تصمد عندما تُربط بالتسويق والسياحة والتدريب، لا بالحنين وحده.


