هل يُحمى الرز العراقي كما يُحمى البسمتي؟

: المحرر الثقافي . 2026-11-04 07:38

في منتصف 2026 أعلن وزير الموارد المائية مثنى التميمي، خلال زيارة إلى النجف، أن زراعة الرز في أجزاء من المحافظة بلغت نحو 100% من المساحات المخططة، رغم أن الوزارة وافقت على 80% فقط من الأراضي الزراعية، وتعهد بتوفير مياه إضافية بعدما سارع الفلاحون إلى تعويض ثلاث سنوات من القيود الصيفية. وفي أغسطس زرع الرز في ديالى لأول مرة منذ 1997 ببذور جلبت من المشخاب. هذه صور عودة، لكنها عودة معلّقة بالمطر، وتطرح سؤالاً أبعد من الماء حين يعود "العنبر"، أي رز سيحمل هذا الاسم، ومن يحميه؟

من 300 ألف دونم إلى 5 آلاف

يصف خبير زراعي في تقرير لموقع الجزيرة نت مطلع عام 2025 كيف انكمش الرز العراقي كانت المساحات تتجاوز 300 ألف دونم بإنتاج نحو 300 ألف طن، ثم لم يزرع في 2023 سوى 5 آلاف دونم، قبل أن ترتفع إلى 150 ألف دونم في 2024 وفق إحصاءات وزارة الزراعة. وتفسّر الأرقام الأخرى السبب ففي 2021 قال مدير الموارد المائية في النجف لوكالة فرانس برس إن الاحتياطي المائي أدنى بكثير من الحد الحرج البالغ 18 مليار متر مكعب، وإن الرز يستهلك 10 إلى 12 مليار متر مكعب خلال موسمه البالغ نحو خمسة أشهر، وإن أكثر من 70% من المحصول كان يُزرع في الديوانية والنجف.

وفي المشخاب، المعروف بأنه "مدينة العنبر"، تراجعت المساحة من نحو 35 ألف دونم في 2010 إلى 466 دونماً في 2022، بحسب 964 ميديا، ولم يزرع العام الماضي سوى نحو 200 دونم في محطة أبحاث للحفاظ على البذور. وفي 2023 تحدث مزارع في الأريحية للنجف لإذاعة "The World" عن حظر حكومي على زراعة الصنف لسنتين.

جاء التحول من السماء فبعد أجف عام في العراق منذ نحو ثمانية عقود، أضافت أمطار وثلوج موسم 2025–2026 نحو 6 مليارات متر مكعب إلى الخزين بحلول أبريل، وبلغ الخزين الوطني نحو 34 مليار متر مكعب في أغسطس ونقلت 964 ميديا أن مزارعي ديالى غرسوا الرز في بلدروز والمقدادية وخالص والعظيم، وأن بعضهم جرّب الري الحديث بدل الغمر، لكن المزارع صالح خوام وصف التجربة بأنها مغامرة لأن المحصول لم يُعرف بعد.

ولم تخلُ العودة من التوتر فقد احتج فلاحون عند ناظم المشخاب مطالبين بإطلاقات أكبر، وأبلغ بعضهم عن نقص محلي وشكاوى في التوزيع. وفي ذي قار، وافقت خطة صيفية على 10 آلاف دونم من العنبر بعد موسم لم تُعتمد فيه خطة، وقال مزارعون إنهم قادرون على منافسة المشخاب.

والمفارقة أن كثيراً من مزارعي المشخاب اتجهوا هذا العام إلى "الياسمين"، وهو صنف أقل استهلاكاً للماء وأعلى إنتاجاً ورد مزارعون في المشخاب على تقارير عن توقفهم بأن 14 ألف دونم من أصل 37 ألفاً من مساحة الشلب في النجف زرعت بالعنبر الأصلي هذا العام، وأرجع أحدهم التراجع إلى غلاء البذور وندرتها وخشية حصص الماء. وهذه أرقام يرويها الفلاحون ولم أجد لها تأكيداً رسمياً.

وأعلنت وزارة الزراعة في يناير 2024 نجاح زراعة صنف "الغري" بالري بالرش في المشخاب بإنتاج يتجاوز طناً للدونم والغري، بحسب باحث في الوزارة نقل عنه موقع SciDev.Net، تركيب وراثي ناتج عن تهجين عنبر 33 مع صنف الفرات وسجل واعتُمد في 2022. وفي يونيو 2026 عرضت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في النجف الشتل الميكانيكي الذي تقول إنه قد يخفض استهلاك الماء بنسبة تصل إلى 30% ويرفع الغلة بين 15% و20%، ضمن مشروع المناخ الأخضر الذي شمل نحو 300 مزارع وقرابة 900 دونم في 2026. لكن هذه المساحات صغيرة قياساً إلى مئات آلاف الدونمات التي كانت تُزرع.

في منتصف 2026 نقلت 964 ميديا عن مزارعين وعاملين في مجارش الرز في المشخاب أن تجاراً يخلطون رزاً مستورداً أرخص بـ"سحالة" العنبر الأصلي ويعالجونه بالزيت ليكتسب رائحته، وأن الفرق يظهر بعد الطبخ. وقال مزارع إن سعر الكيلو الأصلي نحو 4,500 دينار مقابل 2,100 للمستورد، وذكر مصدر في الأمن الاقتصادي أن كميات من رز مستورد ضُبطت وهي مغلّفة على أنها عنبر المشخاب. وهذه ادعاءات تحتاج إلى تحقق من الجهات الرقابية، لكنها تكشف ما يهدد سمعة الاسم.

وهناك مشكلة تعريف أيضاً. فخبير زراعي يقول للجزيرة نت إن أصنافاً مهجّنة تحمل بعض مزايا العنبر الأصلي، وتعرف بـ"عنبر المشخاب". وحين انتقل جزء من الزراعة إلى ذي قار وجاء الرد من المشخاب بأن "لا عنبر إلا في المشخاب"، ظهر الخلاف على سؤال أساسي: هل الاسم يشير إلى صنف، أم إلى منطقة، أم إلى طريقة زراعة؟

ولم أعثر في المصادر التي راجعتها على تسجيل رسمي للعنبر العراقي مؤشراً جغرافياً، ولا على قانون عراقي خاص بالمؤشرات الجغرافية. قد يكون ذلك موجوداً ولم يظهر في بحثي، ويلزم تأكيده من الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية وجهة تسجيل العلامات.

وتقدمت الهند عام 2018 بطلب لتسجيل "بسمتي" مؤشراً جغرافياً محمياً (PGI) في الاتحاد الأوروبي، ونُشر الطلب في 2020. وبحسب الجزيرة، رأى باحثون أن السمعة والمنطقة الجغرافية مشتركتان بين الهند وباكستان، وأن باكستان ترغب في طلب مشترك. وفي أكتوبر 2025 ذكرت "يورونيوز" أن البلدين تعاونا بين 2004 و2008 على طلب مشترك لم يكتمل، وأن باكستان قدمت طلبها الخاص في 2023. وسنّت باكستان قانون المؤشرات الجغرافية في 2020 وحصلت محلياً على مؤشر البسمتي في يناير 2021. وبحسب تحليل قانوني نُشر في أغسطس 2026، ما زال الملف الهندي مسجلاً في سجل المفوضية الأوروبية والطلب الباكستاني منشوراً، أي أن الخلاف لم يُحسم بعد قرابة ثماني سنوات.

والدرس المهم هنا لتقرير عن العنبر أن المؤشر الجغرافي يحمي الاسم المرتبط بمنطقة وخصائص، ولا يحمي الصنف النباتي نفسه، وأن الخلاف على حدود المنطقة قد يعطّل المسار سنوات. أما ما تحتاجه التجربة العراقية فهو في الأصل تعريف متفق عليه لما يُسمّى "عنبراً"، وهو ما يظهر الخلاف بين المشخاب وذي قار أنه غير محسوم. وهذه قراءة تحليلية تحتاج اختباراً مع خبراء قانونيين وزراعيين.

العودة إلى الأعلى