ألقاب المعصومين عليهم السلام- عبرة وتذكرة في الدنيا والآخرة (5)

تكاد تكون الألقاب التي لقب بها أهل البيت عليهم السلام هوية غير مباشرة لكل منهم، فكثير منهم غلب لقبه الأكثر شهرة على اسمه حتى صار يعرف به.


 

ومن هذه الألقاب ما عرف به إمامان أو أكثر، وذلك لاشتراكهما في صفة محددة أو لبروزها في كل منهما، كلقب الصادقَين، اللذين هما تارةً النبي المصطفى (الصادق الأمين) محمد صلى الله عليه وآله وولده الإمام جعفر الصادق، وتارة هما الإمامان جعفر الصادق وولده موسى، وكلقب الكاظمَين الذي أُطلق تارةً عليهما كليهما أيضًا، وإن كان بالإمام موسى بن جعفر أكثر لصوقًا... وتارةً على الإمامين موسى بن جعفر وحفيده محمد بن علي، وذلك نسبة لمرقديهما المقدسين في الكاظمية بجوار بغداد، التي سميت بهذا الاسم تيمنًا بالإمام موسى الكاظم عليه السلام، وكلقب الجوادين الذي أطلق على الإمامين موسى بن جعفر وحفيده الإمام محمد بن علي، لارتباطهما في موقع مرقديهما الشريفين، مما جعل لقب أحدهما يطلق على الآخر، وكلقب العسكريين الذي أطلق على الإمامين علي بن محمد الهادي وولده الحسن بن علي العسكري، واللقب هذه المرة يرجع لسكنهما في منطقة عسكر في سامراء، لا لصفةٍ خلقية يتصفان بها...

وقد أسلفنا في المقالات السابقة أن الأئمة عليهم السلام يشتركون جميعًا في صفاتهم الحميدة الراقية، لأنهم المثال الإنساني الكامل الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده، لكن ما مرّ به كل منهم من صروف وظروف جعلت صفةً ما تكون هي الأبرز، فيلقب بها الإمام.

وإذا وصلنا إلى الإمام علي بن موسى بن جعفر عليه السلام، ثامن الأئمة المعصومين، نجد له مجموعة ألقابٍ وكنى عرف بها، منها ما وصفه به الباري جل وعلا، ومنها ما أطلقه عليه آباؤه المعصومون، ومنها ما أطلقه عليه محبوه ومريدوه... وكل هذه الألقاب تمثل صفاته ومناقبه الشريفة، وترمز لعلاقته بشيعته وغيرهم عبر العصور...

لقد كانت للإمام علي بن موسى ألقاب عديدة، منها: الرضا والمرتضى والصابر والفاضل والرضيّ والوفيّ وعالم آل محمد، وقرّة أعين المؤمنين وغيظ الملحدين...

أما الألقاب التي لقّبهُ بها محبّوه فمنها: أنيس النفوس وغريب طوس وضامن الجنّة والسلطان وضامن الغزال...

إن الألقاب المذكورة منها ما يكاد يكون تكرارًا لألقاب الأئمة السالفين واللاحقين من آبائه وأجداده، وهو أمر طبيعي لاشتراكهم صلوات الله عليهم في تلك الشمائل الإنسانية الكاملة، ومنها ما يختص به وحده لأسباب سنوردها بقدر ما تستوفي هذه المقالة من الاختصار.

ولعل أكثر ما يلفتنا في هذه الألقاب هي الآتية:

·       الرضا والرضيّ والمرتضى: وهي ثلاث صفاتٍ في ظاهرها مشتقة من مصدر واحد هو الرضا، لكن لكل منها بعده الخاص ورمزيته وارتباطه بشخصية الإمام. أما الرضا، وهو أبرز ألقابه، بل هو اللقب الذي يعرف به فضلًا عن اسمه الشريف، وقد سئل ولده الإمام محمد بن علي الجواد عن ذلك فأجاب في حديث طويل معتبر السند، نذكر منه موضع الشاهد: ... [قال الإمام الجواد للراوي: اللهُ تبارك وتعالى سمَّاه الرضا لأنَّه كان رضى الله في سمائه ورضىً لرسوله والأئمة من بعده في أرضه"، يقول الراوي فقلتُ له: ألم يكن كلُّ واحدٍ من آبائك الماضين (ع) رضىً لله تعالى ولرسوله (ص) والأئمة (ع)، فقال (ع): "بلى"، فقلتُ: فلم سُمي أبوك بينهم الرضا؟ قال (ع): "لأنَّه رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحدٍ من آبائه (ع)، فلذلك سُمِّي من بينهم الرضا (ع)"] (عيون أخبار الرضا ج2 / ص22). وأما الرضيّ، فهي صفة مشبهة من المصدر "الرضا"، وتدلّ على الثبات والاستقرار والدوام للرضا عليه السلام، رضا الله عز وجل ورسوله والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، كما جاء في الحديث. وأما المرتضى، فهو اسم مفعول من ارتضى، المشتق من رضيَ رضًا، فهو قد ارتُضي من قبل الله عز وجلّ لمهامه التي اضطلع بها في فترة إمامته... وقد اشترك مع جده الإمام علي أمير المؤمنين في هذا اللقب، ولم يشترك غيره من الأئمة معه فيه، ولعل السبب أن الخلاف على إمامته ووصايته كان موضع جدلٍ بين المسلمين كما كانت خلافة جده أمير المؤمنين، وصار الإيمان بولايته ميزانًا لإيمان الموالين كإياه... بعدما اتخذ أهل الحكم بعض وسائلهم غرضًا للتشكيك في إمامته، خاصة عندما أراده المأمون وليًّا لعهده فرفض، لعلمه بما وراء هذا العرض المبطن من خبث ودهاء، وإبرازٍ للإمام بموقع طالب السلطة، وتحجيم لسلطته الدنيوية والأخروية التي خصه بها الله عز وجل بمنطق الإمامة والولاية... ولعل في إيراد الموقف التاريخي الذي حاور فيه الإمام المأمون، ما ينبئنا بحقيقة الأمر، وما يكتنفه هذا اللقب العظيم من أسرار وأخبار، ونقتصر من الخبر على موضع الشاهد، حيث لا يمكن اختصاره أكثر لكي لا يضيع المعنى:

[عن أبي الصلت الهرويّ قال: إنّ المأمون قال للرضا عليه السلام في حديث طويل... فإنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة، وأجعلها لك وأبايعك، فقال له الرضا عليه السلام: "إن كانت هذه الخلافة لك، وجعلها الله لك فلا يجوز أن تخلع لباسًا ألبسكه الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك، فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك"، فقال له المأمون: يا ابن رسول الله، لا بدّ لك من قبول هذا الأمر، فقال: " لست أفعل ذلك طائعًا أبداً" ، فما زال يجهد به أيّامًا حتّى يئس من قبوله، فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحبّ مبايعتي لك فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي...

ثم قال المأمون: يا ابن رسول الله، إنّما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك، ودفع هذا الأمر عنك، ليقول الناس: إنّك زاهد في الدنيا، فقال الرضا عليه السلام: "والله ما كذبت منذ خلقني ربّي عزّ وجلّ, وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإنّي لأعلم ما تريد" ، فقال المأمون: وما أريد؟ قال: "لي الأمان على الصدق؟" قال: لك الأمان، قال: "تريد بذلك أن يقول الناس: إنّ عليّ بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعًا في الخلافة؟" فغضب المأمون، ثمّ قال: إنّك تتلقّاني أبدًا بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي، فبالله أقسم، لئن قبلت ولاية العهد وإلّا أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك.

فقال الرضا عليه السلام: " قد نهاني الله عزّ وجلّ أن ألقي بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا، فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل ذلك على أنّي لا أُوَلِّي أحدا، ولا أعزل أحدا، ولا أنقض رسما ولا سنّة، وأكون في الأمر من بعيد مشيرا"، فرضي منه بذلك، وجعله وليّ عهده، كراهة منه عليه السلام لذلك. (الصدوق، الأمالي ص 125، وعيون أخبار الرضا عليه السلام ج 2 ص 151)]

·       عالم آل محمد: روي أن الإمام الكاظم (ع) كانَ يَقولُ لبَنيه: "هذا أخوكُم عليُّ بنُ موسى الرّضا عالمُ آل مُحمّد، فسَلوهُ عن أديانكُم واحفَظوا ما يَقولُ لكُم، فإنّي سمِعتُ أبي جعفرَ بنَ محَمّدٍ (ع) غيرَ مرّةٍ يقول لي: إنّ عالمَ آلِ محَمّدٍ لفي صُلبِك، وليتَني أدرَكتهُ فإنّهُ سَميُّ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ (ع)" (‏أعلام الورى: 328)... ومع أن كل الأئمة هم علماء آل محمد، إلا أن اختصاص الإمام الرضا (ع) بهذه الصفة على لسان جده الصادق (ع) تمييز له لما كان عليه دوره في تبيان علوم آل البيت عليهم السلام، في زمان الفتن والمناظرات والمحاججة مع أهل الملل والنحل، وقد عرف عنه الكثير من ذلك، [فإنَّ أكثر علوم أهل البيت (ع) في التفسير، وعلم الكلام، والعقيدة، والفقه، والحكم، والأخلاق، وسائر العلوم المتصلة بالشأن الديني قد وصلتنا من أربعةٍ من الأئمة -بشكل خاص- وهم: الإمام علي (ع)، ثم الإمام الباقر (ع)، ثم الإمام الصادق (ع)، ثم الإمام الرضا (ع). أكثر الروايات التي جاءت في التفسير، وفي العقيدة، وفي الفقه -رغم سعتها وتشعُّبها-، وكذلك فيما يرتبط بالسُّنة الشريفة، ومحاسن الحِكَم والأخلاق، وغيرها، وصلتنا من هؤلاء الأئمة الأربعة (ع).] (الشيخ محمد صنقور، محاضرات مفرغة، 21/ 10/ 2010- موقع حوزة الهدى الإسلامية)

كما أن الألقاب الأخرى التي توثّق غزارة علمه وتفوقه الساحق في تلك المناظرات المشهودة، كلقبي قرّة أعين المؤمنين وغيظ الملحدين، ليست إلا شواهد أخرى على ما نطقت به تلك الألقاب من وقائع تحكي للتاريخ قديما وحديثا ما جرى على الإمام ومعه من أحداث ثبتت دعائم الدين وقلوب المؤمنين، وألقت الحجة الباهرة على الملحدين والمنافقين والزنادقة...

·       أنيس النفوس وغريب طوس وضامن الجنّة والسلطان وضامن الغزال... كلها ألقاب أطلقها على الإمام الرضا محبوه وشيعته، ولكل منها حكاية يضيق بها المقال في هذه المقالة، ويمكن اختصارها أولًا بما تتركه زيارته في النفوس من أنس غريب يجمع عليه كل من زاره، فهو حقًّا أنيس النفوس، ولعلها مكرمة خصه الله بها في غربته النائية، التي أراد له بنو العباس من خلالها أن يُنفى عن شيعته، فإذا بتلك الأرض الغريبة تغدو وطنًا لشيعته، وإذا به وهو غريب طوس، يغدو سلطان طوس... وتلك من عجائب حب آل محمد، أن الإمام يغدو وطنًا لكل غريب، في أي مكان أو زمان حل... وأما ضامن الجنة فهو لقب جاء من رواية أوردها صاحب بحار الأنوار العلامة المجلسي عن قصة لشخص تشرّف بلقاء الإمام الغائب (عج) فقال فيها: [قال: وكنت قبل هذه الحكاية بقليل قد تشرّفت بزيارة مولانا الرضا(عليه السلام) فقلت له: يا سيّدنا قد زرت الرضا علي بن موسى(عليهما السلام) وقد بلغني أنّه ضمن لزواره الجنّة، هذا صحيح؟ فقال(عليه السلام): هو الإمام الضامن...] (بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج53، ص315). وأما ضامن الغزال فهي قصة معروفة عن التجاء الغزالة إلى الإمام الرضا (ع) وكيف كفلها الإمام الرضا أمام الصياد على أن تعود بعدما ترضع صغيرها... والقصة من الشهرة بحيث لا تحتاج إلى سرد، وهي خير دليل على ما كان الإمام يتصف به من رقة في القلب حتى على الحيوان، ومن إعجاز وكرامة تتجاوز عالم الإنسان...

وللحديث وإن طال تتمة، فخير حديثٍ هو ما تناول شمائل ومناقب وألقاب الأئمة، صلوات الله عليهم أجمعين.


العودة إلى الأعلى