هل تتراجع القراءة أم أنها تغير شكلها فقط؟

2026-10-17 11:09

لم يعد الكتاب الوسيلة الوحيدة للوصول إلى المعرفة، ولم تعد القراءة مرتبطة بالضرورة بصفحات ورقية أو بمكتبة هادئة، فاليوم يمكن للقارئ أن يقرأ رواية على هاتفه، أو يتصفح كتاباً إلكترونياً على جهاز لوحي، أو يستمع إلى كتاب صوتي أثناء التنقل والعمل، لكن هذا التحول يطرح سؤالاً يتجاوز تطور التكنولوجيا، هل يتراجع اهتمام الناس بالقراءة، أم أن القراءة تعيد تشكيل نفسها بما يتناسب مع أنماط الحياة الجديدة؟ لا تقدم البيانات المتاحة إجابة واحدة قاطعة، ففي الوقت الذي تشير فيه بعض المؤشرات إلى تراجع قراءة الكتب الورقية والأدبية في مجتمعات معينة، تكشف بيانات أخرى عن اتساع استخدام الكتب الرقمية والصوتية. وبين الاتجاهين، تبرز ضرورة التمييز بين تراجع القراءة بوصفها نشاطاً ثقافياً، وتغير الوسيلة التي يستخدمها الناس للوصول إلى النصوص.

الورق يتراجع

تقدم الولايات المتحدة مثالاً واضحاً على التحولات التي تشهدها عادات القراءة. ووفقاً لبيانات نشرها مركز بيو للأبحاث في 9 أبريل 2026، استناداً إلى استطلاع أُجري في أكتوبر 2025، قال 75% من البالغين الأميركيين إنهم قرؤوا كتاباً كلياً أو جزئياً، بأي صيغة، خلال الاثني عشر شهراً السابقة.

وأظهرت البيانات أن 64% قرؤوا كتاباً ورقياً، بينما قرأ 31% كتاباً إلكترونياً، واستمع 26% إلى كتاب صوتي. ولا تمثل هذه النسب فئات منفصلة، إذ يمكن للشخص نفسه استخدام أكثر من صيغة للقراءة.

وتكشف المقارنة التاريخية عن تحول ملحوظ؛ فقد انخفضت نسبة البالغين الأميركيين الذين قرؤوا كتاباً ورقياً خلال عام من 72% في 2011 إلى 64% في 2025. وفي المقابل، ارتفعت نسبة قارئي الكتب الإلكترونية من 17% إلى 31%، كما ارتفعت نسبة مستمعي الكتب الصوتية من 11% إلى 26%.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الكتاب الورقي فقد جزءاً من حضوره النسبي، بينما أصبحت الصيغ الرقمية والصوتية أكثر انتشاراً. لكنها لا تثبت أن القراءة نفسها تتراجع بالمقدار ذاته؛ إذ إن استخدام أكثر من صيغة قد يعكس انتقال القراء بين الوسائط بدلاً من التخلي عن الكتب.

في المقابل، توجد مؤشرات على تراجع بعض أشكال القراءة التقليدية، ولا سيما قراءة الأدب للمتعة.

فقد أظهرت بيانات دراسة المشاركة في الفنون لعام 2022، التي أصدرتها المؤسسة الوطنية الأميركية للفنون ونشرت نتائجها في عام 2023، أن 48.5% من البالغين الأميركيين قرؤوا كتاباً واحداً على الأقل خلال الاثني عشر شهراً السابقة، سواء أكان ورقياً أم إلكترونياً. وكانت هذه النسبة أقل بـ6.1 نقاط مئوية مقارنة بعام 2012.

كما انخفضت نسبة البالغين الذين قرؤوا روايات أو قصصاً قصيرة من 45.2% في عام 2012 إلى 37.6% في عام 2022.

وتستحق هذه النتائج الانتباه، لكنها لا تعني أن جميع أشكال القراءة تتراجع بالوتيرة نفسها. فقراءة الروايات والقصص ليست مطابقة لقراءة الكتب المهنية أو التعليمية، كما أن نتائج هذه الدراسة تختلف عن بيانات مركز بيو الأحدث بسبب اختلاف الأسئلة والتعريفات وأساليب القياس.

ومع ذلك، تفتح هذه المؤشرات باباً للنقاش بشأن مكانة القراءة الأدبية في الحياة اليومية، في وقت يتنافس فيه الكتاب مع وسائل الترفيه الرقمية، ومقاطع الفيديو القصيرة، والألعاب، ومنصات التواصل الاجتماعي على وقت الأفراد وانتباههم.

الصين تقدم صورة مختلفة

لا تسير التحولات في عادات القراءة بالاتجاه نفسه في جميع البلدان. ففي الصين، تشير نتائج المسح الوطني الثالث والعشرين للقراءة، المنشورة في أبريل 2026، إلى استمرار انتشار القراءة الورقية والرقمية معاً.

ووفق النتائج التي أعلنها المعهد الصيني للبحوث الصحفية والنشر، بلغت نسبة القراءة الإجمالية لدى البالغين 82.3% في عام 2025، بزيادة قدرها 0.2 نقطة مئوية عن العام السابق. وبلغ متوسط عدد الكتب الورقية والإلكترونية المقروءة للفرد البالغ 8.39 كتاباً.

كما بلغت نسبة القراءة عبر الهواتف الذكية 79%، فيما وصلت نسبة التعرض لأشكال القراءة الرقمية إلى 80.8%. وارتفعت نسبة الاستماع إلى الكتب من 38.5% في عام 2024 إلى 38.7% في عام 2025.

وتشير البيانات المنشورة إلى أن عدد مستخدمي القراءة الرقمية بلغ 689 مليوناً بنهاية عام 2025، بزيادة سنوية قدرها 2.95%.

وتوضح التجربة الصينية أن توسع القراءة الرقمية يمكن أن يترافق مع استمرار القراءة الورقية، بدلاً من أن يؤدي بالضرورة إلى إزاحتها بالكامل. لكنها لا تكشف وحدها عن عمق القراءة أو مستوى الفهم، كما لا يمكن تعميم نتائجها على مجتمعات تختلف في اللغة والتعليم والدخل وإتاحة الكتب.

هل تمنح الشاشة القارئ فهماً أقل؟

لا يتعلق النقاش بعدد الكتب التي يقرأها الناس فقط، بل بنوعية التجربة التي توفرها كل وسيلة. فقراءة نص طويل على الورق تختلف من بعض النواحي عن قراءته على شاشة تتضمن روابط وإشعارات ومقاطع متحركة، لكن تحديد أثر هذه الاختلافات يحتاج إلى أدلة علمية، لا إلى الانطباعات وحدها.

وفي دراسة تحليلية نُشرت في مجلة Education and Information Technologies في يناير 2026، جمع الباحثون نتائج 56 دراسة مستقلة قارنت الفهم القرائي عبر الورق وأجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية والقارئات الإلكترونية والهواتف الذكية.

وخلص التحليل إلى أن الورق حقق أفضل ترتيب إجمالي في نتائج الفهم. غير أن الفروق لم تكن ثابتة في جميع الظروف؛ فعندما كانت النصوص الرقمية تُقرأ من دون الحاجة إلى التمرير المستمر، لم تظهر فروق موثوقة في الفهم بين الورق والوسائط الرقمية. أما في الحالات التي تطلبت التمرير عبر النص، فكان أداء القراءة الورقية أفضل بصورة أوضح.

وتشير هذه النتائج إلى أن تصميم النص وطريقة عرضه والتنقل بين أجزائه قد تؤثر في تجربة القراءة. لكنها لا تثبت أن كل قراءة على الهاتف أقل جودة، ولا أن استخدام الورق يضمن وحده الفهم العميق.

كذلك ينبغي التمييز بين قراءة النصوص القصيرة للاطلاع السريع وقراءة الكتب الطويلة التي تتطلب متابعة الأفكار وربط المعلومات وتذكر التفاصيل. فهذه أنشطة مختلفة، ولا يمكن الحكم عليها جميعاً بمقياس واحد.

الكتب الصوتية توسّع معنى القراءة

يمثل انتشار الكتب الصوتية أحد أبرز التحولات في سوق المعرفة. فبدلاً من تخصيص وقت للجلوس والقراءة، يستطيع المستمع متابعة كتاب أثناء القيادة أو المشي أو إنجاز بعض الأعمال اليومية.

وقد تسهم هذه الصيغة في توسيع فرص الوصول إلى الكتب لدى الأشخاص الذين يواجهون صعوبات بصرية أو تحديات في القراءة التقليدية، كما تتيح للبعض استثمار أوقات التنقل في الاستماع إلى مواد تعليمية وثقافية.

لكن الاستماع إلى كتاب لا يطابق دائماً القراءة البصرية من حيث ظروف الانتباه وتدوين الملاحظات والعودة إلى المقاطع السابقة. كما أن الاستماع أثناء القيام بمهام أخرى قد يجعل مستوى التركيز متفاوتاً، بحسب طبيعة المهمة والنص والمستمع.

ولذلك، فإن انتشار الكتب الصوتية لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره تراجعاً في القراءة، ولا باعتباره دليلاً مؤكداً على ارتفاع مستوى الثقافة. فالأهم هو معرفة نوعية المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، وكيفية استخدامه، ومدى قدرة المستمع أو القارئ على استيعابه.

وتشير بيانات النشر الأميركية إلى أن الكتب الصوتية أصبحت جزءاً مهماً من السوق. فقد أفادت جمعية الناشرين الأميركيين بأن إيرادات الكتب الصوتية الرقمية في الولايات المتحدة بلغت 2.4 مليار دولار في عام 2024، مسجلة زيادة سنوية قدرها 22.5%.

وتعكس هذه الأرقام نمواً اقتصادياً واضحاً لهذا القطاع، لكنها تقيس الإيرادات لا عدد القراء أو جودة الفهم. كما أن نمو سوق الكتب الصوتية لا يعني بالضرورة أن جميع المستمعين كانوا سيقرؤون الكتب نفسها لو لم تكن هذه الصيغة متاحة.

صناعة النشر

رغم التوسع الرقمي، لا تشير بيانات النشر الأميركية إلى اختفاء الكتاب الورقي من السوق.

فوفق التقرير السنوي لجمعية الناشرين الأميركيين عن عام 2024، بلغت إيرادات سوق الكتب الاستهلاكية 21.2 مليار دولار، بزيادة 4.4% عن العام السابق. وعلى مستوى صناعة النشر التي يغطيها التقرير، شكلت الصيغ الورقية 50.5% من الإيرادات، بينما بلغت حصة الصيغ الرقمية، بما فيها الكتب الإلكترونية والصوتية، 14%.

وتوضح هذه الأرقام أن السوق لا تتحرك بالضرورة من صيغة واحدة إلى أخرى، بل يمكن أن تتعايش فيها وسائط مختلفة، لكل منها جمهورها واستخداماتها.

فالكتاب الورقي يوفر تجربة مادية مألوفة، ويتيح سهولة وضع العلامات والملاحظات والعودة إلى الصفحات، بينما تمنح الكتب الرقمية المستخدم سهولة الحمل والبحث والوصول إلى عدد كبير من العناوين عبر جهاز واحد. أما الكتب الصوتية، فتفتح المجال لاستهلاك المحتوى في أوقات لا تكون فيها القراءة البصرية ممكنة.

ومن هنا، لا يبدو مستقبل النشر مجرد منافسة بين الورق والشاشة، بل تحولاً في طريقة إنتاج الكتب وتوزيعها وتسويقها واستهلاكها.

قد يكون من السهل تفسير أي تراجع في القراءة بإلقاء المسؤولية على الهواتف الذكية، لكن الصورة أكثر تعقيداً. فالعادات القرائية تتأثر بتوافر الكتب، ومستوى التعليم، والوقت المتاح، والدخل، والبيئة الأسرية، والمكتبات العامة، والسياسات التعليمية والثقافية.

كما أن كثرة المحتوى الرقمي لا تعني بالضرورة أن المستخدمين يقرؤون كتباً كاملة. فقد يقضي الفرد وقتاً طويلاً في قراءة منشورات قصيرة وأخبار متفرقة، من دون أن يخصص وقتاً كافياً للمواد التي تحتاج إلى متابعة طويلة وتركيز مستمر.

وفي المقابل، قد يستخدم شخص آخر الهاتف لقراءة روايات أو أبحاث أو كتب كاملة، مستفيداً من سهولة الوصول إلى النصوص الرقمية. ولهذا، فإن الحكم على عادات القراءة انطلاقاً من الجهاز المستخدم وحده قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة.

ويحتاج قياس التحول في القراءة إلى مؤشرات أكثر تنوعاً، تشمل عدد الكتب المقروءة، والوقت المخصص للقراءة، وأنواع المحتوى، وطرق الوصول إليه، ومدى الفهم والاستيعاب. كما يتطلب إجراء مقارنات زمنية تستخدم تعريفات متسقة، حتى يمكن تحديد ما إذا كان التغير ناتجاً عن انتقال القراء إلى وسائط جديدة أم عن تراجع فعلي في ممارسة القراءة.

الخلاصة

تكشف البيانات المتاحة عن صورة مركبة؛ ففي الولايات المتحدة تراجعت بعض مؤشرات قراءة الكتب الورقية والأدبية، بالتزامن مع نمو استخدام الكتب الإلكترونية والصوتية.

وفي الصين، تشير بيانات عام 2025 إلى انتشار واسع للقراءة الرقمية مع استمرار القراءة الورقية. أما الأبحاث المتعلقة بالفهم، فتشير إلى أن وسيلة عرض النص وطريقة التفاعل معه قد تؤثران في النتائج، من دون أن تجعل القراءة الرقمية أقل جودة في جميع الحالات.

لذلك، لا يمكن القول إن القراءة تختفي، كما لا يمكن افتراض أن انتقالها إلى الشاشات وسماعات الأذن يحافظ تلقائياً على جميع جوانبها.

السؤال الأهم هو ما إذا كان الناس ما زالوا يجدون الوقت لقراءة نصوص كاملة، ومتابعة الأفكار، ومقارنة المعلومات، والتأمل في المعاني، أم أن بعض أنماط الاستهلاك الرقمي تدفعهم إلى الاكتفاء بمحتوى سريع ومتفرق.

فمستقبل القراءة لن يتحدد بنوع الجهاز الذي يحمله القارئ، بل أيضاً بما يقرأه، والوقت الذي يمنحه للنص، والقدرة التي يكتسبها على الفهم والتفكير النقدي.


وكالة كربلاء الآن+وكالات

العودة إلى الأعلى