طعام يهدر وملايين يواجهون الجوع ومفارقة عالمية تتجاوز حدود الاستهلاك
في الوقت الذي يعاني فيه مئات الملايين من البشر الجوع، تتخلص المنازل والمتاجر والمطاعم حول العالم من كميات هائلة من الطعام، في مفارقة تكشف حجم التحديات التي تواجه إدارة الموارد الغذائية، وتطرح تساؤلات بشأن قدرة المجتمعات على الحد من الهدر وتحسين وصول الغذاء إلى مستحقيه. ووفقاً لتقرير مؤشر هدر الأغذية لعام 2024 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، بلغ حجم الغذاء المهدور عالمياً نحو 1.05 مليار طن خلال عام 2022، أي ما يعادل 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين في المنازل وخدمات الطعام ومتاجر التجزئة. وتصدرت المنازل مصادر الهدر، بمساهمة بلغت 60% من الإجمالي، تلتها خدمات الطعام، بما فيها المطاعم، بنسبة 28%، ثم متاجر التجزئة بنسبة 12%. كما قدّر التقرير أن العالم يهدر يومياً ما يزيد على مليار وجبة غذائية على مستوى المستهلكين.
الجوع مستمر رغم وفرة الغذاء
في المقابل، قدّر تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم لعام 2026، الصادر عن وكالات متخصصة تابعة للأمم المتحدة، أن نحو 645 مليون شخص عانوا الجوع خلال عام 2025، بما يعادل 7.8% من سكان العالم.
وتوضح هذه الأرقام حجم التحدي العالمي، لكنها لا تعني أن جميع الأغذية المهدورة قابلة للاستهلاك أو يمكن نقلها مباشرة إلى الجائعين؛ إذ تختلف أسباب الهدر ومواقعه، كما تتباين احتياجات السكان وإمكانات التخزين والنقل والتوزيع.
اضافة الى ان المشكلة ترتبط بإنتاج الغذاء وحده يضاف الى ذلك يتعلق الأمر بسلاسل الإمداد، وقدرة الأسر على التخطيط للاستهلاك، وآليات تعامل المتاجر والمطاعم مع الفائض، فضلاً عن الظروف الاقتصادية التي تحد من قدرة بعض السكان على شراء غذاء كافٍ ومتنوع.
خسائر تتجاوز قيمة الطعام
لا يتوقف أثر الهدر عند خسارة الغذاء نفسه، بل يمتد إلى الموارد التي استُخدمت لإنتاجه، من المياه والأراضي الزراعية والطاقة إلى جهود المزارعين والعاملين في النقل والتخزين والتصنيع.
ويشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن فقدان الغذاء وهدره يرتبطان بنحو 8 إلى 10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالمياً، كما يؤديان إلى إهدار موارد طبيعية واقتصادية كان من الممكن الاستفادة منها في مجالات أخرى.
وتزداد أهمية هذه القضية في ظل الضغوط التي تواجه الموارد المائية والزراعة والتغير المناخي، ما يجعل تقليل الهدر جزءاً من الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي وحماية البيئة، وليس مجرد سلوك استهلاكي فردي.
من الهدر إلى الاستفادة
تتطلب مواجهة المشكلة إجراءات متكاملة تبدأ بقياس كميات الغذاء المهدور وأماكن حدوثه، مروراً بتحسين التخزين والنقل وإدارة المخزون، وصولاً إلى تشجيع التبرع بالفائض الصالح للاستهلاك، ضمن ضوابط سلامة الغذاء.
كما يمكن للمنازل تقليل الهدر من خلال التخطيط للمشتريات، وحفظ الطعام بطريقة مناسبة، وإعداد كميات تتناسب مع الحاجة الفعلية. أما المطاعم والمتاجر، فيمكنها تحسين تقدير الطلب وإدارة الفائض والتعاون مع الجهات التي تستطيع إعادة توزيعه بأمان.
ويؤكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أهمية التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، إلى جانب تحسين جمع البيانات، لتحقيق الهدف الأممي المتمثل في خفض هدر الغذاء إلى النصف بحلول عام 2030، على مستوى البيع بالتجزئة والاستهلاك.
إن المفارقة بين الغذاء الذي يُهدر والجوع الذي يعانيه الملايين لا تختصر مشكلة العالم في نقص الطعام أو وفرته، بل تكشف الحاجة إلى أنظمة أكثر كفاءة وعدالة في إنتاج الغذاء وتداوله واستهلاكه، بحيث تصل الموارد المتاحة إلى الاستخدام الأفضل، ويصبح الحد من الهدر مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات والحكومات.
وكالة كربلاء الان+وكالات


