حين تُعمَّر الخزائن وتُخرَّب الأوطان سعر الصرف بين اقتصاد الجباية واقتصاد العمارة في عهد الإمام علي (عليه السلام)
قد تنجح الدولة في تحسين أرقامها المالية، وتفشل في تحسين أحوال مواطنيها. وقد ترتفع إيرادات الخزانة العامة، بينما تتراجع القدرة الشرائية للناس، وترتفع تكاليف المعيشة، وتتآكل مدخرات الأسر. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: هل كل ما ينفع خزينة الدولة ينفع اقتصادها ومجتمعها؟ يطرح هذا السؤال كلما اتجهت دولة إلى تخفيض قيمة عملتها الوطنية أمام الدولار، في قرار قد يزيد إيراداتها المحسوبة بالعملة المحلية، وربما يحفز الصادرات والإنتاج، لكنه في المقابل يرفع تكلفة الواردات ويثقل كاهل المواطن، خصوصًا في الاقتصادات التي تعتمد على الخارج أكثر مما تعتمد على قدراتها الإنتاجية. وهنا نستحضر مبدأً اقتصاديًا بالغ العمق وضعه الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر: «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يُدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد». هذه ليست مجرد وصية بالرفق في الجباية، انما فلسفة متكاملة في إدارة الاقتصاد؛ فالخراج ليس أصل الثروة، وإنما ثمرة من ثمارها. وعمارة الأرض ليست نتيجة لما تجمعه الدولة من أموال، بل هي الأساس الذي يجعل مواردها ممكنة ومستدامة. ومن هنا يظهر الفرق بين اقتصاد الجباية واقتصاد العمارة. الأول يبدأ من حاجة الدولة إلى المال، والثاني يبدأ من قدرة المجتمع على إنتاج الثروة. الأول قد ينجح في تحسين الحسابات المالية ولو على حساب المواطن، بينما يسعى الثاني إلى تحسين مالية الدولة من خلال ازدهار المجتمع. ولا يعني ذلك أن تخفيض قيمة العملة قرار خاطئ بالضرورة؛ فقد يكون أداة مفيدة في اقتصاد يمتلك قاعدة إنتاجية قوية وقدرة على التصدير. لكنه قد يتحول إلى عبء ثقيل في اقتصاد يستورد معظم احتياجاته، فتزداد الأسعار دون أن يقابلها نمو حقيقي في الإنتاج. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق مثل هذه القرارات ليس: كم ستربح الخزانة؟ بل: ماذا سيربح الاقتصاد والمجتمع؟ هل ستنشأ فرص عمل جديدة؟ هل ستتوسع القدرات الإنتاجية؟ وهل ستتحول التضحيات التي يتحملها المواطن اليوم إلى مكاسب تنموية حقيقية غدًا؟ إن أخطر ما يصيب التفكير الاقتصادي للدولة أن تتحول الوسيلة إلى غاية، فتصبح زيادة الإيرادات أهم من بناء الاقتصاد الذي ينتجها. وقد تستطيع الدولة أن تمول حاضرها بهذه الطريقة، لكنها تخاطر باستهلاك جزء من مستقبلها. وهنا تتجلى عبقرية المبدأ العلوي: لا تطلب الثروة من مجتمع لم تهيئ له أسباب إنتاجها، ولا تجعل حاجتك إلى المال سببًا في إضعاف من يصنعونه. إن معيار نجاح السياسة الاقتصادية ليس مقدار ما تضيفه إلى خزائن الدولة وحدها، بل مقدار ما تضيفه إلى عمران البلاد وقدرة الناس على الإنتاج والعيش الكريم. فالدولة لا تصبح غنية لأن خزائنها امتلأت، وإنما تمتلئ خزائنها على نحو مستدام حين يصبح مجتمعها أكثر ازدهارًا. وهذا هو جوهر الدرس الذي يقدمه العهد: لا يقاس بما يستخرجه من المجتمع، انما بما يبنيه فيه من أسباب العمران


