الذكاء الاصطناعي في الصف طريقة الاستخدام تحدد أثره في تعلم الطلاب

: علي جبر 2026-10-07 08:58

يتسارع إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدارس حول العالم بوتيرة تتجاوز ما تستطيع الدراسات العلمية قياسه حتى الآن. وبينما تتجه دول إلى وضع سياسات لتنظيم استخدامه في التعليم، تشير الأدلة الأولية إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يرتبط بالأداة وحدها، بل بطريقة تصميم استخدامها، ودور المعلم في توجيهها والإشراف عليها.

أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو في أواخر عام 2023 أول إرشادات عالمية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث، ركزت فيها على حماية خصوصية البيانات والنظر في تحديد حد أدنى لعمر المستخدمين.

وفي سبتمبر 2026، عقدت اليونسكو أسبوع التعلم الرقمي في باريس، بمشاركة أكثر من 1500 شخص حضورياً، ودعت مزودي أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تقديم أدلة على الفوائد التعليمية قبل اعتماد هذه الأنظمة على نطاق واسع.

في الصين، اتجهت السياسة التعليمية إلى تنظيم الاستخدام بصورة مباشرة. ففي مايو 2025، أصدرت وزارة التعليم دليلين، أحدهما بشأن تدريس الذكاء الاصطناعي بصورة تدريجية، والآخر لتنظيم استخدامه. ويمنع الدليل الثاني تلاميذ المرحلة الابتدائية من استخدام أدوات توليد المحتوى المفتوحة بصورة مستقلة، كما يحظر على المعلمين استخدام الذكاء الاصطناعي بديلاً عن مسؤولياتهم التدريسية الأساسية.

وفي بكين، بدأ منذ سبتمبر 2025 تدريس الذكاء الاصطناعي بواقع ثماني ساعات دراسية على الأقل سنوياً في المدارس الابتدائية والمتوسطة.

أما إستونيا، فاتجهت إلى دمج الذكاء الاصطناعي في النظام التعليمي على المستوى الوطني. وبدأ برنامج قفزة الذكاء الاصطناعي في سبتمبر 2025، مستهدفاً نحو 20 ألف طالب في الصفين العاشر والحادي عشر، مع إتاحة منصات معينة.

وبحسب مسؤول حكومي إستوني، شمل البرنامج خلال عامه الأول 154 مدرسة، وقال 70% من المعلمين إنهم أعادوا التفكير في المهارات المطلوبة أو غيّروا طبيعة الواجبات، فيما ساهم الذكاء الاصطناعي في توفير نحو ساعة و80 دقيقة أسبوعياً للمعلم.

لكن هذه الأرقام صادرة عن جهة مشاركة في تنفيذ البرنامج، ولا تمثل تقييماً مستقلاً لنتائجه. وتجري جامعة تارتو دراسة لقياس أثر البرنامج، على أن تنشر نتائجها لاحقاً.

ماذا تقول الأدلة؟

تقدم التجارب المتاحة حتى الآن صورة متباينة، إذ تظهر بعض الدراسات نتائج إيجابية، بينما تحذر أخرى من أن الاستخدام غير المنضبط قد يؤثر في عملية التعلم نفسها.

في نيجيريا، أجرى البنك الدولي تجربة عشوائية مضبوطة في ولاية إيدو ضمن برنامج مسائي استمر ستة أسابيع. وأظهرت النتائج أن الطلاب حققوا مكاسب تعليمية تعادل ما يتحقق عادة خلال سنة ونصف إلى سنتين، مع بلوغ حجم الأثر نحو 0.3 انحراف معياري.

إلا أن الباحثين حذروا من إرجاع هذه النتيجة إلى الذكاء الاصطناعي وحده، إذ شملت التجربة حزمة متكاملة من التدخلات، بينها توجيهات منظمة، ومواءمة المحتوى مع المنهج الدراسي، ودعم المعلم، والتعلم بين الأقران، إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي.

وفي تركيا، جاءت النتائج بصورة مختلفة. فقد أجرى باحثون من جامعة بنسلفانيا تجربة على نحو ألف طالب في المرحلة الثانوية في مادة الرياضيات، ونشرت الدراسة في مجلة PNAS عام 2025.

وأظهرت الدراسة أن الطلاب الذين استخدموا أداة ذكاء اصطناعي من دون ضوابط اعتمدوا عليها بصورة كبيرة أثناء التدريب، ثم تراجع أداؤهم عندما طُلب منهم العمل بصورة مستقلة. كما بالغ الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي في تقدير مقدار ما تعلموه.

في المقابل، لم تُظهر النسخة المصممة لحماية عملية التعلم التراجع نفسه، ما يشير إلى أهمية تصميم الأداة وطريقة استخدامها في تحديد نتائجها التعليمية. ومع ذلك، تظل للدراسة حدود، من بينها إجراؤها في مدرسة واحدة وفي مادة دراسية واحدة.

وعلى نطاق أوسع، خلص تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2026 إلى أن نجاح الطالب في إنجاز مهمة بمساعدة الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أنه اكتسب المعرفة أو المهارة المرتبطة بها.

ويشير التقرير إلى ضرورة التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكاً في عملية التعلم، وليس وسيلة مختصرة لتجاوزها.

وبحسب مسح، استخدم 37% من معلمي المرحلة الإعدادية الذكاء الاصطناعي في عملهم خلال عام 2024، فيما رأى 72% منهم أن هذه التكنولوجيا قد تضر بالنزاهة الأكاديمية.

رغم تزايد الدراسات والتجارب، لا تزال هناك فجوات مهمة في المعرفة بشأن الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي في التعليم.

أولى هذه الفجوات تتعلق بالأثر الطويل الأمد، إذ إن معظم التجارب المتاحة أجريت خلال فترات قصيرة تراوحت بين أربع جلسات وستة أسابيع، بينما لا تزال آثار الاستخدام المستمر على تعلم الطلاب بعد سنوات غير معروفة.

كما أن تعميم نتائج تجربة أجريت في مدرسة أو ولاية محددة على أنظمة تعليمية مختلفة يظل أمراً غير محسوم.

وفي الجانب المعرفي، أشار استطلاع لليونسكو شمل أكاديميين في شبكة كراسي اليونسكو إلى أن 93% منهم يعتقدون أن الطلاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي في إنجاز واجباتهم، فيما قال 63% إنهم يلاحظون تراجعاً في القدرات المعرفية للطلاب.

لكن هذه النتائج تعكس انطباعات الأكاديميين وليست قياساً مباشراً لتراجع القدرات لدى الطلاب، كما أن هذه البيانات وردت عبر مصدر ثانوي، ما يجعل الرجوع إلى النص الأصلي لليونسكو ضرورياً قبل اعتمادها بصورة نهائية.

وتظهر التجارب الدولية أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في التعليم يتجاوز سؤال إدخاله إلى الصف من عدمه، ليركز بصورة متزايدة على كيفية استخدامه، وطريقة تصميم أدواته، ومستوى إشراف المعلم عليها.

وبينما تكشف بعض التجارب عن مكاسب تعليمية ملموسة، تحذر أخرى من أن الاستخدام غير المنضبط قد يحول الذكاء الاصطناعي من أداة للتعلم إلى وسيلة لتجاوز عملية التعلم نفسها.

وفي ظل محدودية الدراسات طويلة الأمد، لا تزال الأدلة المتاحة أولية، ما يجعل تصميم الاستخدام والإشراف التربوي عاملين أساسيين في تقييم أثر الذكاء الاصطناعي داخل الصف.

العودة إلى الأعلى