الحوزة تحت الحصار: النجف في مواجهة نظام البعث الدموي

2026-09-26 12:07

الجزء الرابع

صباح الطالقاني

دخلت حوزة النجف في النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة مختلفة جذرياً عن معظم ما سبقها، فبعد عقود من التعامل مع سلطات متعددة، واجهت المؤسسة الدينية في العراق نظام ذو جهاز أمني مركزي قمعي واسع، اتجهَ تدريجياً إلى تقليص نفوذ المؤسسات الدينية، ومراقبة العلماء والطلاب، والتحكم في النشاطات الدينية، ولا سيما في ظل حكم حزب البعث الدموي الذي استولى على السلطة عام 1968.

ومن المهم هنا تصحيح توصيف زمني شائع: حكم البعث في العراق لم يستمر خمسين عاماً، وإنما من 1968 إلى 2003، أي نحو 35 عاماً، مع اختلاف مراحل السلطة داخله، لكن هذه الحقبة كانت كافية لإحداث تحول سلبي عميق في علاقة الدولة بالحوزة العلمية.

في السنوات الأولى من حكم البعث، بدأت السلطات تتعامل مع المؤسسة الدينية باعتبارها مركزاً اجتماعياً وفكرياً يمكن أن ينافس الدولة في التأثير، وازدادت الضغوط بعد وفاة المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم سنة 1970، الذي كان يمثل أحد أبرز مراكز المرجعية في النجف الاشرف، وتذكر دراسات تاريخية أن النظام بدأ بعد ذلك بتكثيف إجراءات الحد من نفوذ الحوزة، ولا سيما عبر التضييق على الطلاب غير العراقيين ومراقبة الطلاب العراقيين.

وكان وجود الطلاب الأجانب عنصراً مهماً في طبيعة الحوزة النجفية، فالنجف على طول مسيرتها لم تكن مؤسسة محلية مغلقة، بل كانت تستقطب طلبة من إيران ولبنان والهند وباكستان ودول أخرى، لذلك كان التضييق على إقامة هؤلاء الطلاب ضربة مباشرة للطابع العالمي للحوزة.

وتشير مصادر أكاديمية إلى أن النظام سعى أيضاً إلى تقليل عدد المدارس الدينية في النجف وكربلاء، أو إخضاع بعضها لرقابة الدولة، وفرض مناهج أو ضوابط رسمية على ما يبقى منها، كما تذكر شهادات ودراسات عن حقبة السبعينيات والثمانينيات وجود مراقبة أمنية واختراقات داخل البيئة الحوزوية، الأمر الذي دفع كثيراً من الطلاب إلى تقليل اتصالاتهم والاعتماد على شبكات شخصية وغير رسمية.

وفي منتصف السبعينيات اتسعت دائرة القمع بصورة كبيرة، فوفق دراسة توثيقية منشورة عن تاريخ حوزة النجف، شهد عام 1974 إعدامات طالت عدداً من طلاب وأساتذة الحوزة، إضافة إلى حملات تهجير واعتقال، وإلغاء إقامات عدد من الطلاب والأساتذة غير العراقيين، وتورد الدراسة نفسها اعتقالات واسعة خلال عام 1975 شملت أساتذة وطلاباً وعلماء في النجف وكربلاء.

لم يكن التضييق مقتصراً على الأشخاص، بل شمل المجال الديني العام، فقد فرض النظام قيوداً على النشاطات والمناسبات الدينية والتجمعات، وخصوصاً المناسبات التي كان يمكن أن تتحول إلى تجمعات جماهيرية كبيرة.

وتذكر Encyclopaedia Iranica أن النظام البعثي اتجه إلى اعتقال وترحيل وإعدام علماء شيعة، وإغلاق مؤسسات دينية، وتشديد الرقابة على المطبوعات الدينية، وتقييد بعض المراسم والمناسبات الدينية وخصوصاً الزيارات الكبرى التي كانت تشهدها مدن كربلاء والنجف في شهر محرم و صفر وما يتعلق بها من مراسم ومواكب ومسيرات راجلة تمتد لعدة ايام من مختلف انحاء العراق.

وفي هذا المناخ برز اسم السيد محمد باقر الصدر بوصفه واحداً من أبرز المفكرين والعلماء الذين واجهوا تحديات المرحلة، فقد حاول تقديم خطاب فكري قادر على مواجهة التيارات الفكرية والسياسية الحديثة، وأنتج مؤلفات في الاقتصاد والفلسفة والمنطق والفكر السياسي الإسلامي، في وقت كان النظام يسعى إلى احتواء المجال العام ومنع ظهور مراكز مستقلة للتأثير.

ومع تصاعد الصراع بين الدولة والتيارات الإسلامية، اتسعت الملاحقات، وبعد الثورة الإيرانية سنة 1979 ازداد قلق النظام العراقي من انتقال تأثيرها إلى العراق، فتشددت الإجراءات تجاه المرجعيات والطلاب والنشطاء الدينيين اكثر، وتشير المصادر إلى أن هذا السياق كان أحد العوامل التي دفعت النظام إلى تكثيف حملته ضد النشاط الإسلامي الشيعي والحوزوي.

وفي نيسان/أبريل 1980 أُعدم السيد محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى، في واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ الحوزة النجفية المعاصر، ولم يكن الحدث منفصلاً عن سلسلة طويلة من الاعتقالات والإعدامات والنفي والتضييق التي أصابت علماء وطلاباً ومؤسسات دينية.

وفي الوقت نفسه اتخذ المرجع الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي، الذي تولى المرجعية العامة بعد السيد محسن الحكيم قدس سرّهما، نهجاً مختلفاً في التعامل مع السلطة. فقد ركز على استمرار العمل العلمي والفقهي والحفاظ على وجود المؤسسة الدينية، في ظل ظروف شديدة القسوة، وتوضح بعض الدراسات أن هذا النهج ارتبط أيضاً بمحاولة حماية الحوزة من الاستئصال الكامل.

ولذلك فإن دراسة مرحلة البعث الدموية لا ينبغي أن تختزل في أسماء الشهداء والمعتقلين فقط، على الرغم من أهمية توثيق ذلك، بل ينبغي النظر إليها بوصفها مرحلة صراع على استقلال المؤسسة الدينية نفسها: استقلال التعليم، واستقلال المرجعية، واستقلال المدارس، وحرية نشر الكتب، وحرية التواصل بين العلماء والطلاب، وقدرة الحوزة على المحافظة على امتدادها داخل و خارج العراق.

وعندما انتهى حكم البعث سنة 2003، كانت الحوزة قد خرجت من مرحلة طويلة من الحصار وهي تحمل آثارها البشرية والعلمية والمؤسسية، ومع ذلك، لم تنتهِ قصة النجف، فقد استعاد مركزها العلمي والديني مساحة واسعة من النشاط، وعادت إليها أعداد من العلماء والطلاب، واستأنفت المؤسسات العلمية نشاطها بصورة أوسع، في ظل المرجعية الدينية العليا المتمثلة بالسيد السيستاني دام ظله.

وهكذا فإن الألفية التي تحتفي بها النجف في عام 2026 لا تختصرها سنة 448هـ وحدها، فهي أيضاً ذاكرة آلاف العلماء والطلاب، وذاكرة المكتبات التي احترقت، والمدارس التي أُغلقت، والبيوت التي داهمتها السلطات، والعلماء الذين اعتقلوا أو أعدموا أو اضطروا إلى الهجرة، والشباب الذين غُيّبو ولم يظهر لهم اثر حتى الساعة.

إنها في جوهرها، قصة مؤسسة علمية واجهَت تغيّر الدول أكثر مما عاشت في ظل دولة واحدة، ولهذا بقيَ معيار استمرارها هو قدرتها على إنتاج العلم وتوريثه من جيل إلى جيل.

مصادر الجزء الرابع

1-  Encyclopaedia Iranica، Iraq X: Shiʿites of Iraq، حول سياسات البعث تجاه العلماء والمؤسسات الشيعية والمناسبات الدينية.

2-  MIT، Prophets and Priests: Religious Leaders and Protest in Iraq، دراسة أكاديمية تتناول حصار الدولة للحوزة ومحاولات السيطرة على المدارس الدينية والمراقبة والاختراق الأمني.

3- كتاب/دراسة حوزة النجف الأشرف 620، وفيها توثيق للاعتقالات والإعدامات والتهجير وإجراءات السلطة ضد الحوزة خلال السبعينيات.

4- دراسة عن دور محمد باقر الصدر في النشاط السياسي الشيعي في العراق 1958–1980، مع توثيق إجراءات البعث تجاه الحوزة والطلاب غير العراقيين.

5-  Brookings، Iraq’s failed uprising after the 1979 Iranian revolution، حول تصاعد المواجهة بين نظام البعث والمؤسسة الدينية بعد الثورة الإيرانية.

6- دراسة أكاديمية حول المرجعية الدينية الشيعية والدولة العراقية الحديثة، تتناول سياسات البعث تجاه الحوزة وتصاعد التضييق عليها.


العودة إلى الأعلى