التكايا والمواكب في كربلاء منظومة ضيافة شعبية تطعم وتؤوي الملايين مجانا

: اسرة التحرير 2026-09-26 10:32

في مدينة يقطنها نحو مليوني نسمة، تتضخم الأعداد كل عام خلال أيام معدودة لتستقبل عشرات الملايين من الزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم، دون أن يُطلب من أي منهم دفع فلس واحد مقابل الطعام أو المبيت أو حتى العلاج. هذا المشهد المتكرر سنويا في زيارة الأربعين تحوّل، بحسب مؤسسات دولية ومنظمات إعلامية متخصصة، إلى واحد من أكبر التجمعات البشرية السلمية على وجه الأرض.

أعلنت العتبة العباسية المقدسة رسميا أن عدد المشاركين في إحياء زيارة الأربعين لعام 2025 بلغ 21,103,524 زائرا، في حين رفع مجلس محافظة كربلاء هذا الرقم إلى ما يتجاوز 23 مليونًا بحسب تصريحات مسؤولين محليين.

أما في زيارة العام الحالي 2026، فقد صرح محافظ كربلاء بأن عدد المشاركين تجاوز 22 مليون زائر، قدِم بينهم زوار أجانب من 172 دولة، وهو رقم سُجل للمرة الأولى في تاريخ الزيارة ويعكس اتساع الحضور الدولي لهذه المناسبة.

هذا الاتساع الدولي ليس جديدًا كليًا؛ فتقرير سابق أشار إلى مشاركة أكثر من 170 جنسية في إحياء أربعينية الإمام الحسين، فيما وثقت مؤسسة إعلامية بريطانية متخصصة بالشؤون الدينية حضور 3,615 صحفيا و101 قناة تلفزيونية و61 محطة إذاعية لتغطية الحدث في أحد المواسم، ما يجعلها من أكثر الفعاليات الدينية تغطية إعلامية دولية رغم محدودية معرفة الجمهور الغربي بها.

يقوم على خدمة هذا الحشد الهائل ما يُعرف محليًا بـ"المواكب" و"المضايف" و"التكايا"، وهي نقاط خدمية أهلية بحتة يقيمها مواطنون وعائلات وجمعيات على امتداد طرق المشي المؤدية إلى كربلاء. في زيارة عام 2025، أعلنت هيئة المواكب والهيئات الحسينية في كربلاء تسجيل 11,070 موكبًا حسينيًا للمشاركة في تقديم الخدمات للزائرين، من بينها 127 موكبا من دول عربية وأجنبية مثل إيران ولبنان والبحرين وباكستان والهند. وفي موسم آخر، تحدثت تقارير عن وصول عدد المواكب في كربلاء وحدها إلى ما يقارب 13 ألف موكب.

هذه المواكب توفر، بحسب تقرير لمنظمة "من هو الحسين" غير الحكومية، خدماتها عبر أكثر من 13 ألف نقطة خدمية موزعة على الطرق، تشمل الطعام والماء والمبيت والإسعافات الأولية، وجميعها مجانية بالكامل لدرجة أن محاولة الدفع تُعد إساءة بحق مقدّمي الخدمة.

ولعل ما يلخص فلسفة هذه المنظومة ما نقلته الجزيرة نت عن أحد أصحاب المواكب في كربلاء، الذي قال إن مكسبهم ليس ماديًا بل هو خدمة زائري كربلاء وضيوفها دون تفريق بين جنسياتهم.

اعتراف دولي وتصنيف عالمي

حظيت مسيرة الأربعين باعتراف دولي رسمي حين أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي عام 2019. كما تُدرج مصادر أكاديمية وإعلامية غربية الحدث ضمن قوائم أكبر التجمعات البشرية السلمية في التاريخ، إلى جانب فعاليات عالمية معروفة مثل قداديس البابا في مانيلا وريو دي جانيرو، وإن كانت التقديرات لزيارة الأربعين تفوقها بأضعاف مضاعفة، إذ تصل بعض التقديرات التاريخية إلى نحو 30 مليون مشارك في مواسم سابقة.

يذهب معظم عبء الاستضافة إلى السكان المحليين الذين تفتح عائلاتهم بيوتها دون مقابل، بينما تتكفل الدوائر الخدمية الرسمية بالجوانب المرورية والصحية والبيئية. ففي أحد المواسم أعلنت دائرة صحة كربلاء تقديم خدماتها الطبية لأكثر من 121 ألف مراجع، بينما رفعت بلدية كربلاء أكثر من 650 ألف طن من النفايات ضمن حملة تنظيف مستمرة طوال أيام الزيارة، إلى جانب تخصيص ساحات لإركاب الزائرين ومجسرات مشاة وممرات خاصة لتخفيف الازدحام.

ما يجعل هذا الملف مادة صحفية ذات بعد عالمي غير سياسي هو تقاطعه مع قضايا تهم أي جمهور دولي كنموذج تكافل اجتماعي طوعي بلا تمويل حكومي أو دولي مباشر، وتجربة لوجستية لإدارة حشود بمقياس يفوق كثيرًا مهرجانات ورياضات عالمية معروفة، وظاهرة سياحة دينية متعددة الجنسيات في بلد كثيرًا ما يرتبط اسمه في الإعلام الدولي بالنزاعات لا بالضيافة. وقد بدأت وسائل إعلام ومدونون أجانب، بينهم صناع محتوى على يوتيوب، في تسليط الضوء على التجربة ربما لم يسمع بها كثيرون في الغرب رغم حجمها.

في المقابل، تشير تقارير متابعة للحدث إلى أن أحد الهواجس المتصاعدة لدى الصحفيين المشاركين هو مدى قدرة هذه المنظومة الضخمة على أن تكون مستدامة بيئيا في ظل الأعداد المتزايدة سنويا، وهي زاوية إضافية يمكن تطوير تقرير مستقل حولها.

العودة إلى الأعلى