العالم يجف والتحلية تراهن على الشمس والذكاء الاصطناعي لإنقاذ ما تبقى من مياه

: أسرة التحرير 2026-09-12 09:59

تحولت ندرة المياه خلال العامين الماضيين إلى أزمة معترف بها أمميا، تطال بلدانا كانت تصنف غنية بالمياه قبل عقود قليلة، وبينما تتسابق الحكومات لإدارة ما تبقى من أنهار ومياه جوفية، يتسع في الوقت ذاته سوق تقنيات تحلية المياه، من الألواح الشمسية التي تحول مياه البحر إلى شراب دون مخلفات سامة، إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تدير محطات التحلية بكفاءة أعلى وكلفة أقل.

وبحسب تقرير مشترك لمنظمة الصحة العالمية واليونيسف صدر في منتصف 2025 بمناسبة أسبوع المياه العالمي، لا يزال واحد من كل أربعة أشخاص حول العالم، أي نحو 2.1 مليار إنسان، محروما من مياه شرب مدارة بأمان، بينهم ملايين يشربون مباشرة من مصادر سطحية غير معالجة.

وتُظهر بيانات "أكواستات" الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في آواخر 2025 أن نصيب الفرد من المياه المتجددة تراجع عالميًا بنسبة 7% خلال العقد الأخير، في وقت تستحوذ فيه الزراعة وحدها على نحو 72% من إجمالي السحب العالمي للمياه العذبة. ولفت التقرير إلى أن منطقتي شمال أفريقيا وغرب آسيا تسجلان من أدنى معدلات المياه المتجددة للفرد عالميا، مع تصدّر دول خليجية القائمة من حيث شح الموارد المائية الإجمالية.

أما البنك الدولي، فكشف في نوفمبر 2025 ضمن أول تقرير عالمي من نوعه لمراقبة المياه، أن الكوكب يخسر سنويا 324 مليار متر مكعب من المياه العذبة، وهي كمية كانت لتكفي لتلبية احتياجات 280 مليون إنسان، نتيجة الجفاف المتفاقم وسوء إدارة الأراضي والمياه. وتحذّر اليونيسف من أن هذا المسار قد يدفع نحو 700 مليون شخص إلى النزوح بسبب الندرة الحادة للمياه بحلول عام 2030.

العراق من الشح إلى الندرة

هذا المشهد العالمي له انعكاس محلي مباشر. فبحسب تقرير لموقع الجزيرة نت، يواجه العراق أدنى مستويات مخزون مياه سجلها البلد منذ 80 عاما، بسبب موسم أمطار ضعيف للغاية وتراجع حاد في تدفق نهري دجلة والفرات. وأكد مصادر حكومية عراقية، خلال مؤتمر المحيطات في نيس الفرنسية منتصف 2025، أن الانخفاض غير المسبوق في منسوب النهرين أثر سلبا على القطاعات الزراعية والاجتماعية والبيئية في البلاد.

ونقلت وكالة شفق نيوز في نوفمبر 2025 عن مختصين تحذيرهم من أن العراق تجاوز فعليا مرحلة "الشح" إلى مرحلة "الندرة" الحقيقية في مياه الشرب والاستخدامات الأخرى، مع توقعات بحدوث ما وصفوه بـ"كوارث مائية" خلال صيف 2026 ما لم تتغير السياسات القائمة. وارتبط هذا التراجع أيضًا بتقليص خطط الاستزراع الشتوي، إذ اضطرت وزارة الزراعة، بحسب صحيفة الصباح الجديد في فبراير 2026، إلى اعتماد خطة مرحلية للموسم الزراعي 2025-2026 تعتمد جزئيًا على مياه الآبار الجوفية بدل مياه النهرين.

وفي مواجهة هذا الواقع، أُطلقت مبادرة إقليمية لحماية مياه دجلة والفرات تضم مشروع "تحلية لامركزية"، يستهدف تزويد المناطق النائية بوحدات تحلية تعمل بالطاقة الشمسية، إلى جانب مشروع "عين الماء" لإنشاء مركز وطني لمراقبة كمية المياه وجودتها.

على الجبهة التقنية، سجّل باحثون من جامعة روتشستر الأميركية في مايو 2026 تطورا لافتا نظام تحلية يعمل بالطاقة الشمسية يحول مياه البحر إلى مياه شرب دون إنتاج "البرين"، المحلول الملحي المركّز الذي يشكل أحد أكبر التحديات البيئية لمحطات التحلية التقليدية. يعتمد النظام على ألواح معدنية محفورة بالليزر تستخدم أشعة الشمس لتبخير الماء، بينما تدفع الأملاح تلقائيًا بعيدًا عن سطح اللوح بدل تراكمها.

وبحسب منصة "المياه الأساسية" المتخصصة، فإن الابتكارات الأحدث في مجال التحلية الشمسية تشمل أغشية تناضح عكسي متطورة بمعدلات رفض ملحي أعلى، وأجهزة استرداد طاقة تصل كفاءتها إلى 70%، إضافة إلى مواد جديدة مثل أغشية أكسيد الغرافين، ما يجعل هذه الأنظمة أكثر جدوى اقتصادية وبيئية مقارنة بالعقد الماضي.

لم يعد تحسين كفاءة محطات التحلية مقتصرا على الهندسة الميكانيكية وحدها. ففي عام 2025، أطلقت الشركة الإسبانية "أكسيونا" المتخصصة في الطاقة المتجددة والبنية التحتية المائية نظام ذكاء اصطناعي مزدوج النماذج لرفع كفاءة محطات التحلية بتقنية التناضح العكسي، يجمع بين نموذج محاكاة لتحسين الإعدادات التشغيلية وأداة تعمل بالزمن الحقيقي لضبط المعايير تبعًا للتغيرات اللحظية.

وتشير تقارير سوقية إلى أن حجم سوق تقنيات التحلية عالميًا بلغ نحو 21.5 مليار دولار في 2025، ومتوقَّع أن يقفز إلى 36.7 مليار دولار بحلول 2030، مدفوعًا أساسًا بتفاقم أزمة الندرة المائية وبدخول حلول الذكاء الاصطناعي إلى قطاع كان تقليديًا حتى وقت قريب.

إلى جانب المحطات الكبرى، برزت شركات ناشئة تقدّم حلولاً أصغر حجما وأكثر مرونة. من أبرزها شركة "كومولوس ووتر" الفرنسية-التونسية، التي طوّرت مولدات مياه جوية تحوّل رطوبة الهواء إلى مياه شرب، ونشرت وحداتها في مدارس وفنادق ومخيمات نائية في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، ليصل عدد المستفيدين منها إلى أكثر من 2500 شخص. وفي الهند، عالجت شركة "إندرا ووتر" أكثر من 2.5 مليار لتر من مياه الصرف الصناعي، محققة وفورات تصل إلى 35% في الكلفة التشغيلية مقارنة بالأنظمة التقليدية.

التحلية ليست حلا سحريا

رغم هذه القفزات، يحذر متخصصون من فهم التحلية على أنها حل نهائي لأزمة المياه العالمية. فتحليل تقني نشر في نيسان 2026 يوضح أن التناضح العكسي لا يزال التقنية المهيمنة رغم كل المحاولات البديلة، وأن التطور في هذا المجال يسير بالتراكم لا بالقفزات المفاجئة: أغشية أفضل، واسترداد طاقة أفضل، ومعالجة أولية أفضل، كل واحدة منها تقتطع جزءًا بسيطًا من الكلفة والطاقة المستهلكة لكل متر مكعب من المياه المنتَجة. بعبارة أخرى، فإن فكرة أن التحلية قادرة على توفير مياه عذبة بلا حدود من المحيط، وإن كانت صحيحة نظريًا، تبقى مضللة من الناحية العملية بسبب الكلفة والبنية التحتية المطلوبة.

خلاصة

بين أزمة مائية عالمية تتوسع بالأرقام والوقائع، من نهري دجلة والفرات إلى أحواض أفريقيا وآسيا، وسباق تقني يحاول اللحاق بوتيرة الجفاف، يبدو أن مستقبل الأمن المائي لن يحسم بابتكار واحد، بل بتراكم حلول صغيرة ومتوسطة تحلية شمسية أنظف، ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة، ومشاريع محلية كتلك التي يجربها العراق حاليًا في مناطقه النائية.

العودة إلى الأعلى