الزراعة العضوية تعود إلى حقول العراق.. والعتبات المقدسة في طليعة المشهد
في وقت تتسع فيه عالمياً دعوات العودة إلى الغذاء الصحي والزراعة الصديقة للبيئة، تشهد بعض المناطق الزراعية في العراق، وتحديداً محافظة كربلاء، تجربة لافتة تعيد الاعتبار للطرق التقليدية في الزراعة، بعيداً عن الأسمدة والمبيدات الكيميائية التي هيمنت على القطاع لعقود.
في عام 2009 أطلقت العتبة الحسينية المقدسة ما يُعرف بـ"مدينة الإمام الحسين الزراعية النموذجية"، على مساحة تمتد لنحو 1000 دونم على الطريق الرابط بين محافظتي النجف وكربلاء. جاء المشروع بعد سنوات من تراجع الهوية الزراعية العراقية نتيجة إهمال القطاع لعقود متتالية، بحسب ما جاء في تقرير نشره موقع "الزوراء" عن تجربة العتبة الزراعية.
منذ ذلك الحين توسعت المشاريع لتشمل عدة مزارع، أبرزها مزرعة "فدك" للنخيل قرب سد الرزازة، التي تنتج أكثر من 40 صنفاً من التمور العراقية والعربية، وفق ما ذكره رئيس هيئة الزراعة في العتبة الحسينية المهندس رزاق الطائي".
زراعة بلا كيمياء
يوضح الطائي أن مزرعة الإمام الحسين تعتمد الأسمدة العضوية بدلاً من الكيميائية، إلى جانب تقنيات ري حديثة، لإنتاج محاصيل متنوعة تشمل الطماطم والخيار والباذنجان والفلفل، فضلاً عن الحبوب كالحنطة والشعير والمحاصيل العلفية.
كما تحدث مسؤول سابق في المشروع عن اعتماد المزرعة أساليب بديلة صديقة للبيئة بعيداً عن الأسمدة الكيميائية، مع خطط لتوسيع زراعة الطماطم الزاحفة على مساحة تتجاوز 50 دونماً.
وبحسب التصريح، بلغ الدعم اليومي للأسواق من محصول الطماطم نحو 8 أطنان مع توقعات بالوصول إلى 12 طناً يومياً، في وقت أعلنت فيه وزارة الزراعة العراقية عن اكتفاء ذاتي من هذا المحصول.
توسع نحو بادية السماوة
لم تتوقف الطموحات الزراعية للعتبة عند حدود كربلاء، إذ تقدمت العتبة الحسينية بطلب رسمي لاستثمار مساحة تصل إلى مليون دونم في بادية السماوة بمحافظة المثنى، بحسب تصريح مسؤول شعبة الأراضي للمشاريع الخدمية توفيق إدريس علاوي على الموقع الرسمي للعتبة. ويتضمن المشروع المرتقب إنتاجاً حيوانياً وزراعياً ومحاصيل استراتيجية كالحنطة والشعير، إضافة إلى معامل لتعليب الألبان ومعجون الطماطم.
وفي كربلاء نفسها، أعلنت العتبة عن خطة لدعم "السلة الغذائية" عبر مشروع سيد الشهداء في قضاء عين التمر، بحسب تصريح رئيس قسم التنمية الزراعية فيها قحطان عوز.
العتبة العباسية أيضاً في الميدان
لا تنفرد العتبة الحسينية بهذا التوجه، فقد تبنت العتبة العباسية المقدسة، عبر شركة الكفيل للاستثمارات العامة، مشاريع مماثلة تعتمد الري بالتنقيط وأساليب الزراعة العضوية الخالية من المبيدات، إلى جانب مشاريع لزراعة المحاصيل العلفية وتربية الأغنام والعجول ".
لماذا العودة إلى الطرق التقليدية؟
يرى مختصون أن الزراعة العضوية تحافظ على صحة التربة وتقلل التلوث الناتج عن المبيدات الكيميائية، وتنتج غذاء أكثر أماناً. غير أن هذا التوجه لا يخلو من تحديات، أبرزها ضعف وعي بعض المستهلكين بقيمة المنتج العضوي وترددهم في دفع سعر إضافي مقابله، فضلاً عن منافسة المنتجات المستوردة الأقل كلفة، وفق ما تشير إليه دراسات محلية حول واقع الزراعة العضوية في العراق.
تقدم تجربة العتبات المقدسة في كربلاء نموذجاً يجمع بين البعد الديني والاقتصادي والبيئي، عبر استثمارات زراعية واسعة تسعى إلى تحقيق الأمن الغذائي المحلي وتقليل الاستيراد وتوفير فرص عمل، في وقت يحتاج فيه القطاع الزراعي العراقي عموماً إلى دعم أوسع لمواجهة تحديات التصحر وشح المياه وتراجع الأراضي الصالحة للزراعة.


