شعراء من 7 دول في مواجهة الذكاء الاصطناعي

في وقت تتسارع فيه الثورة التكنولوجية لتطال مجالات الإبداع كافة من الكتابة والتأليف إلى الموسيقى والفنون البصرية، أصبح السؤال عن طبيعة الإبداع وحدوده ودور الإنسان فيه أكثر إلحاحاً. فهل يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تتفوق على الشعراء في المستقبل القريب؟ وهل تستطيع الآلة أن تكتب شعراً ينافس ما تنتجه التجربة الإنسانية من إحساس وذاكرة ووعي؟

هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت حاضرة في المشهد الثقافي العربي. ومن قلب مدينة النجف الأشرف، التي تحتضن مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، خرجت هذه الأسئلة إلى العلن خلال فعاليات الدورة الخامسة من مهرجان الرسول الأعظم الشعري الدولي، الذي نظمته العتبة العلوية المقدسة ضمن أسبوع الصادقين الدولي يومي الأول والثاني من سبتمبر، بمشاركة 14 شاعراً مثلوا 7 دول عربية وإسلامية

الشعر العربي الذي له تاريخ طويل وكان الوسيلة الإعلامية الأبرز في عصره، تُرجم إلى عشرات اللغات وأسهم في انتشار الثقافة العربية. واليوم، في ظل هذه الثورة التي اقتحمت عوالم الإبداع، يجد الشعر العربي نفسه أمام تحدٍ من نوع جديد

من داخل هذه الأجواء، يقول الشاعر العراقي زينل الصوفي من محافظة الموصل: «الذكاء الاصطناعي قادر على تطوير أدواته في كتابة الشعر بصورة مدهشة، وربما ينتج نصوصاً جميلة ومؤثرة، لكنه لن يتفوق على الشاعر الحقيقي في جوهر التجربة الشعرية. فالشعر ليس وزناً وقافية وصوراً بلاغية فحسب، بل هو حياة وذاكرة وألم وفرح وتجربة إنسانية. ربما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحاكي الشاعر، لكنه لا يعيش ما يكتب عنه. أراه شريكاً وأداة جديدة للشاعر، لا بديلاً عنه. باختصار، الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون شاعراً».

وعن علاقته بمدينة النجف التي احتضنته بعد نزوحه من الموصل خلال الحرب التي شنها تنظيم داعش الإرهابي، قال: «شعرت وأنا أتجول فيها أنني أسير بين صفحات حية من التاريخ، يلتقي فيها عبق الماضي بجمال الحاضر. النجف ليست مدينة دينية فقط، فهي مدينة حافلة بالعلم والأدب والشعر والمكتبات والمخطوطات والمعالم التراثية».

ويضيف الصوفي: «قد يصنع الذكاء الاصطناعي نصوصاً تشبه الشعر، لكنه لا يصنع شاعراً أبداً، فالشاعر قبل أن يكون كاتباً للنص هو صاحب تجربة ورؤية وصوت خاص وروح ودم».

وفي المهرجان نفسه، عبّر شعراء من مصر ولبنان وليبيا والمغرب وسلطنة عُمان وإيران عن اعتزازهم بالمشاركة في هذا المحفل الأدبي. وقال الشاعر الدكتور مهند جمال الدين من النجف: «إن احتفاء العتبة العلوية المقدسة بولادة النبي الأكرم ليس أمراً غريباً، فالدخول إلى مدينة رسول الله يكون من باب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام». وأضاف: «الاحتفاء بهذه المناسبة ضمن أسبوع كامل يلفت أنظار الأمة إلى دورها ومسؤوليتها الثقافية والفكرية».

أما الشاعر الليبي أحمد الفاخري فقال: «الحضور في النجف الأشرف شرف كبير، والعراق أرض الشعر والشعراء، والشاعر العربي يجد فيه فضاءً أصيلاً للإبداع».

وحول مستقبل اللغة والشعر، قال الشاعر المغربي نوفل السعيدي: «الشعر العربي سيظل خالداً ما خلدت اللغة العربية، واللغة العربية ستصمد خالدة ما خلد القرآن»، مستشهداً بقول الله تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون». وأضاف: «اللغة محفوظة من الله عبر القرآن، والشعر محفوظ بالتراث».

أما الشاعر اللبناني محمد باقر جابر فيرى أن «اللغة العالمية المستقبلية ستكون اللغة العربية بلا شك، ولا شيء أقوى من اللغة العربية لرسوخها وأصالتها».

وفي مواجهة الذكاء الاصطناعي، قال الشاعر المصري ضياء الكيلاني: «في الوقت القريب لا أظن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتفوق على الشعراء، فالهوة واسعة بين ما يستطيع الشاعر أن ينتجه وبين ما ينتجه الذكاء الاصطناعي».

أما الشاعر نوفل السعيدي فكان أكثر حدة، مستشهداً بالآية الكريمة: «وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض»، ومضيفاً: «أصل الشعر هو الإحساس. وعندما تقرأ قصائد معدلة بالذكاء الاصطناعي لا تجد فيها إحساساً، فالشعر يظل إحساساً قبل كل شيء».

بدوره، قال الشاعر اللبناني محمد باقر جابر: «الذكاء الاصطناعي شئنا أم أبينا هو علامة فارقة في هذا العصر. علينا أن نستغله أحسن استغلال، ولنترك المستقبل ليكشف الزيف من الحقيقي والتبن من التبر».

أما الشاعر الإيراني مرتضى حيدري الكثيري فقدم تحليلاً نقدياً قائلاً: «الذكاء الاصطناعي يجهل الجاهل ويجعله عالماً، لكنه لا يقدر أن يعيش لحظة ألم أو وجع، ولا ينقل عاطفة صادقة. قد يعرض قصيدة وقد لا ينتبه أحد أنها ليست من كتابتك، لكنها تفتقر إلى اللمسات التي تحاكي العاطفة. الذكاء الاصطناعي آلة وليست غاية، فمن يستخدمه كغاية سينكشف عند الكبار».

واختُتمت جلسات المهرجان بفقرة توزيع الدروع على الشعراء المشاركين، بحضور رسمي ونخبوي وجماهيري، وشهد الختام لفتة إنسانية باستذكار الشاعر اليمني المرحوم السيد الحاضري، الذي كانت له مشاركة في الدورة السابقة للمهرجان وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الخوارزميات يوماً في محاكاة نبض القصيدة، أم يبقى الإحساس الإنساني عصياً على البرمجة؟

المرفقات

العودة إلى الأعلى