السيد محمد مهدي الخرسان ..عالم أفنى عمره في التحقيق
ثلاث سنوات على رحيل السيد محمد مهدي الخرسان كيف يتحدث معاصروه عن عالمٍ أفنى عمره في التحقيق
تمر علينا هذه الأيام الذكرى السنوية الثالثة لرحيل فقيد العلم والتحقيق آية الله السيد محمد مهدي الخرسان رضوان الله تعالى عليه، الذي أفنى عمره في طلب العلم والتحقيق والتأليف وبذل ما حصّله من معرفة في خدمة العلم والتراث الإسلامي
وقد ورد عن علي بن أبي حمزة قال سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام يقول: «إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله وثُلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها»
كان السيد الخرسان محققاً وباحثاً وعالماً اتسم بالتواضع والبساطة وبذل عمره في تحصيل العلم ونشره والتحقيق في مصادره وتراثه وترك نتاجاً علمياً امتد إلى مجالات متعددة
وفي هذه المناسبة الأليمة نستعرض شهادات عدد من الشخصيات المعاصرة التي عرفت السيد محمد مهدي الخرسان وعاصرته لتضيء جوانب من شخصيته العلمية والإنسانية ومنهجه في البحث والتحقيق والأثر الذي تركه في الحوزة العلمية والوسطين الثقافي والأكاديمي
من النجف إلى رحاب العلم والكتاب
وُلد آية الله السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان في النجف الأشرف في التاسع من رجب سنة 1347هـ كما يذكر في ترجمته التي كتبها بقلمه، ونشأ بين أبوين كريمين وتلقى تعليمه الأولي ثم واصل دراسته الحوزوية من السطوح حتى الخارج إلى جانب المجالس العلمية التي عدّها من خير المدارس
ويذكر السيد الخرسان في ترجمته أن علاقته بالكتاب بدأت حين كتب عن الصحابي الجليل ابن عباس حبر الأمة، ولم يكن يملك آنذاك كتاباً واحداً يسعفه في حاجته سوى كتاب شرح نهج البلاغة للمعتزلي ومروج الذهب للمسعودي وبعض أجزاء البحار في مكتبة والده، فكان من الطبيعي أن يسعى إلى طلب المصادر في المكتبات العامة ، ومع مرور السنوات انصرف إلى التأليف والتحقيق والبحث في شتى فنون المعرفة من فقه وتفسير وحديث ورجال وتاريخ وأنساب وآداب، ووفق لتأليف عدة كتب وتقديم كتب من تأليف الآخرين وتعريب كتاب وبعض الفصول من كتب فارسية
التحقيق العلمي سمة بارزة في مشروعه
يقول السيد كاظم الخرسان مدير مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية التابع للعتبة الحسينية المقدسة إن من أبرز ميزات السيد محمد مهدي الخرسان دأبه على التحقيق العلمي والمتابعة العلمية الشديدة، مؤكداً أن كتبه خير شاهد على ذلك
ويستشهد بكتاب «السجود على التربة الحسينية» الذي أحصى فيه السيد الخرسان مجموعة من الملفات العلمية المرتبطة بكتب الجغرافية والتاريخ وغير المرتبطة عادة بالمواضيع والكتب التي تتناول السجود على تربة حسينية، مرجعاً ذلك إلى شدة اطلاعه وموسوعيته
كما يشير إلى تواصله المستمر مع طلبة العلوم الدينية، سواء كانوا كتاباً أو باحثين أو محققين أو خطباء معنيين بالدرس والتدريس، وتواصله المستمر معهم وسؤاله عنهم وتلبية احتياجاتهم قدر المستطاع
عالم ومربٍ وأب للشباب والحوزويين
ومن جانبه يستذكر السيد كاظم السيد عز الدين بحر العلوم علاقته بالسيد الخرسان خلال فترة السبعينات والثمانينات وإلى أوائل التسعينات، ويقول إنه كان المربي والأب لدى الشباب والحوزويين والجميع
ويؤكد أن السيد الخرسان ترك أثراً علمياً واجتماعياً للنجف الأشرف خاصة ولعموم العالم الإسلامي عامة، ويصف رحيل أمثال هؤلاء العلماء بأنه خسارة فادحة، مشيراً إلى أن رحيلهم أثر على مدينة النجف الأشرف وخصوصاً الحوزة العلمية في النجف الأشرف
«نحن أبناء الدليل حيثما مال نميل»
وتكشف شهادة الشيخ سلام الناصري رئيس المجمع العلوي للدراسات والبحوث التابع للعتبة العلوية المقدسة جانباً من منهج السيد الخرسان في التعامل مع الدليل والتحقيق العلمي
ويستذكر الناصري أنه دخل على السيد الخرسان ذات مرة من دون موعد مسبق، فوجده منهمكاً في تصحيح بعض الرواة، ولكنه اصطدم بصخرة كبيرة، وهي أن السيد الخوئي وهو أستاذه يذهب إلى جرح الراوي نفسه، فما كان من السيد الخرسان إلا أن أحكم ما وصل إليه من أدلة وأمارات دلت على تصحيح ذلك الراوي، وقال: «نحن أبناء الدليل حيثما مال نميل»
ويرى الناصري أن هذا الموقف يعطي درساً كبيراً في عدم ضرورة اتباع الأشخاص مهما علا كعبهم وعظمت منزلتهم
ويستذكر موقفاً آخر معه قائلاً إنه كلما دخل عليه في مكان تحصيله وتحقيقه للمباحث العلمية وجد إلى جانبه بعض كتب الأدب العربي الأصيل من أمثال روايات مصطفى لطفي المنفلوطي والسباعي وأضرابهما، مما يدل على ضرورة توسعة الثقافة وعدم وقوفها على لون معين من الثقافات، وكذلك لما تعطيه ديمومة قراءة هذه الكتب من تهذيب البيان وحسن السبك وسهولة العبارة
عالم يعيش بين الكتب وبساطة الحياة
أما الأستاذ في الحوزة العلمية الشيخ د. إبراهيم النصيراوي فيتحدث عن جانب آخر من شخصية السيد الخرسان، فيصفه بأنه سماحة سيدنا الفقيد الذي بذل عمره من أجل أن يقدم للبشرية علماً زاخراً وتحقيقاً نيراً، مع تواضعه وحياته البسيطة
ويقول إن من يذهب إلى بيته وينظر إلى مكانه ومكانته يراه كيف كان يجلس على الأرض وأمامه الكتب الكثيرة والمتعددة والمتنوعة، وأن كل من يدخل عليه لا يقضي الوقت معه بقصص جانبية وإنما باستفادة علمية بمطلب علمي تفسيري وهكذا بمطلب تاريخي، وهو على بساطته على الحصير وكوز الماء يرفده وعقله ورفوف تحمل الكتب
ويؤكد النصيراوي أن السيد الخرسان ترك تراثاً عظيماً يعترف به العلماء والفضلاء والأساتذة الأكاديميون وغير هذه الطبقات، وأن الكل يعترف بما تركه هذا الفقيد العظيم في جوانب متعددة بالفقه والتاريخ والأصول والعقيدة وكذلك بالتحقيق
ويذكر أن له مؤلفات ورسائل وبحوثاً وصل عددها إلى أربعين، طبع بعضها ولم يطبع البعض الآخر، ويستشهد بالدور العظيم لابن عباس رضوان الله عليه الذي بلغ عدد أجزائه واحداً وعشرين مجلداً، وبموسوعة ابن إدريس التي بلغ عدد أجزائها أربعة عشر جزءاً، مؤكداً أن السيد الخرسان أفنى عمراً طويلاً في هذه المؤلفات العظيمة ولم يفارق الكتاب إلى أن جاءه الأجل
أثر علمي تجاوز الحوزة إلى الوسط الأكاديمي
وفي شهادة أخرى يتحدث الدكتور حسنين جابر الحلو مدير مركز دراسات الكوفة التابع الى جامعة الكوفة عن السيد الخرسان بوصفه علماً من أعلام الأمة الإسلامية قدم مؤلفات وعطاءً كبيراً، وكان له إفرازات علمية وفكرية وثقافية ليس فقط لطلبته ولمحبيه وإنما أيضاً للطبقات الأكاديمية التي نالت من علومه من خلال كتاباته في التاريخ والفقه والمعطيات المعرفية المختلفة
ويشير الحلو إلى أن للسيد الخرسان وقفات في التاريخ والموسوعات التي كتبها ومنها موسوعتا ابن عباس وابن إدريس، وكذلك القضايا التاريخية التي كتبها في ذلك الوقت والكتب الخاصة بالصلاة والجنائز وحي على خير العمل وغيرها من المفردات المهمة
ويكشف الدكتور الحلو أنه كتب بحثاً عن السيد الخرسان في مؤتمر أمناء الرسل تناول شخصية السيد التاريخية في مؤلفاته، ولا سيما في القضايا الخاصة بابن عباس والقضايا الخاصة بعمل الباحث وكيفية الصيرورة المرحلية التي يشتغل عليها الكاتب والباحث في الاستقصاء والتحقق، وكذلك العملية الاستنطاقية لكل هذه المؤلفات الفكرية والثقافية
ويؤكد أن ما تركه السيد الخرسان امتد أثره إلى مجالات علمية وثقافية متعددة، وأنه يتمنى أن يسير الباحثون على خطته في الكتاب والتأليف
عقلية المحقق قراءة التاريخ بالدليل والبرهان
ويقدم الأستاذ في الحوزة العلمية السيد نبأ الحمامي شهادة متخصصة في منهج السيد الخرسان في دراسة التاريخ الإسلامي وتحقيق قضاياه
ويصف الحمامي السيد الخرسان بأنه من العلماء والمحققين الأفذاذ الذين تناولوا جوانب مهمة ومفصلية في التاريخ الإسلامي بالبحث والدراسة والتحليل، وأنه أوقف قلمه وفكره طيلة سني حياته في خدمة الدين والمذهب الحق من خلال أبحاثه العلمية وتحقيقاته للكتب التراثية وكتب أصول الرواية والحديث والأنساب وغيرها
ويؤكد أنه كان ذا خبرة واسعة وعلى درجة عالية من دقة النظر وإحاطة عظيمة بالاتجاهات السياسية والعقائدية وغيرها المصاحبة والمقارنة لقضايا التاريخ الإسلامي، وله اطلاع واسع في شتى العلوم والمعارف الإسلامية التي يتعامل معها النص التاريخي أو يتضمن بعض جوانبها
كما عُرف بدقته العجيبة في تحليل القضية التاريخية وإثارة الأسئلة عن كل ما يتعلق بملابساتها وظروفها، ثم الإجابة عن جميع الأسئلة بالدليل والبرهان
وتظهر براعته التحقيقية بحسب الحمامي في استخراج خصوصيات القضايا التاريخية حينما يربط المسائل التاريخية بمناشئها والدوافع بغاياتها والأحداث بما لها من علل ومقدمات، وهذه طريقته وديدنه في جميع أبحاثه وتحقيقاته في كل ما صدر من قلمه الشريف في تحقيق القضايا التاريخية
«نهاية التحقيق» نموذجاً لمنهجه العلمي
ويقدم النص الذي كتبه مدير مركز خاتم الحجج القرآني الشيخ مصطفى الكلابي بعنوان «رحلة مع كتاب نهاية التحقيق» نموذجاً آخر لجانب من مشروع السيد الخرسان العلمي، إذ يصف الكتاب بأنه لم يكن مجرد كتاب قرأه وانتهى الأمر، بل مثل له رحلة في رحاب خطبة الزهراء عليها السلام، وأنه طالعه مدة طويلة وسافر معه طويلاً واستفاد منه كثيراً حتى غدا رفيق المباحثات والمجالس
ويرى الشيخ مصطفى الكلابي أن قيمة الكتاب تتمثل في نقل البحث في قضية فدك ومضامين الخطبة الفدكية من التجاذبات السجالية والقراءات العاطفية إلى التوثيق والبرهنة من خلال قوة النص وحجية الوثيقة وتخريج الروايات وفق موازين دقيقة
ويصف السيد الخرسان بأنه لم يكن مجرد ناقل للمعلومات، بل عُرف بلقب «المكتبة المتحركة» نظراً لقدرته الاستحضارية التي تتجاوز ضبط المتون إلى ضبط الطبعات والمحققين وأماكن المخطوطات بدقة
ويشير إلى أن هذه القدرة كانت أداة منهجية لكشف التدليس وتصحيح المسارات البحثية، وأن عبقريته تتجلى في تخصصه الدقيق بالتراجم والسير وفي إنتاجاته الضخمة وأبرزها موسوعة عبد الله بن عباس في واحد وعشرين مجلداً وكتابه «المحسن السبط» وكتب أخرى
ويؤكد أن التحقيق عند السيد الخرسان كان عملية تشريح دقيقة للواقعة التاريخية قبل توثيقها، وأن تتلمذه على يد أعلام حوزة النجف الأشرف كان له بالغ الأثر في صناعة ملكته التحقيقية
ويستشهد الكلابي بما سمعه من أحد الأساتذة الأفاضل عن السيد الخرسان، وأن من جلس بين يديه أدرك أنه أمام مكتبة متحركة وكأنه بحر لا ينضب، فإذا ذكرت أمامه كتاباً إلا ويعطيك هذا الكتاب ويخبرك متى طالعه ويحدثك عن أهم ما فيه وأين طبع ومتى طبع ومن حققه
ويعد كتاب «نهاية التحقيق فيما جرى في أمر فدك للصديقة والصديق بالنص والتوثيق» خير شاهد ودليل على هذا المنهج، إذ أراد له السيد الخرسان أن يكون قولاً فاصلاً، فجعل منه سفراً وثائقياً شعاره في عنوانه «بالنص والتوثيق»
ويبين الكلابي أن منهج السيد الخرسان في هذا الكتاب يقوم على السؤال والجواب وتقليب الرواية والمقارنة والقيادة الأدبية للغة والاستيعاب الموسوعي والتوثيق والمقابلة والنقد الرجالي
كما يتناول الكتاب بحسب شهادته توثيق الخطبة الفدكية وتتبع طرقها ومصادرها وأسانيدها ومتونها ومعالجة الإشكالات المثارة حولها بتحقيق دقيق
الخرسان كما كتب سيرته بقلمه
وقد كتب السيد الخرسان ترجمته بقلمه متحدثاً عن ولادته ونشأته وتعليمه ومجالسه العلمية وعلاقته بالكتاب ومؤلفاته وبحوثه في شتى فنون المعرفة، كما تحدث عن اختياره الانصراف إلى البحث والتحقيق والتأليف
وأكد في ترجمته أنه حاول بقدر ما وسعه ألا يضيع عمره فيما لا ينفعه حسب نظره، وأنه لم يدخل في السياسة مطلقاً ولم ينتم إلى أي حزب أو جمعية أو مؤسسة، واختار أن ينصرف إلى البحث والتحقيق والتأليف
وكان يرى أن خير نهج لحياة طالب العلم أن يستقيم معتمداً على الرب الكريم الرحيم وينصرف مكباً على درسه وكتابه ولا يتمنى بلوغ الغاية من دون سلوك الطريق الموصل إليها
عالم ترك أثره في ذاكرة الحوزة والباحثين
إن رحيل السيد محمد مهدي الخرسان ترك أثراً كبيراً في قلوب محبيه وطلبته وأسرته ولا سيما في الحوزة العلمية التي فقدت برحيله عالماً محققاً غزير الإنتاج دقيق النظر بارع التأليف أفنى عمره في تحصيل العلم والتحقيق وبثه وخدمة العلم والتراث
وقد أسهمت علاقته المبكرة بالكتاب في رسم طريقه العلمي منذ بداياته حتى غدا التحقيق والتأليف والبحث رفيقاً لمسيرته ووسيلة لبذل ما حصّله من علم ومعرفة
وبقي أثره حاضراً في شهادات من عاصروه وعرفوه عن قرب وفي نتاجه العلمي الذي تركه للباحثين وطلبة العلم ليظل رحيله ثلمة في الحوزة العلمية وغياب عالم أفنى عمره في خدمة العلم والتحقيق تاركاً وراءه سيرة علمية وإنسانية تستحق أن تُقرأ وتُدرس وتبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال


