زيارة الأربعين... المعجزة الخالدة

: رضي منصور العسيف 2026-07-31 11:01

عجائب الدنيا السبع آثارٌ شامخة يقصدها الناس من مختلف أنحاء العالم؛ يتأملون جمالها، ويلتقطون إلى جوارها صورًا تذكارية، ثم يعودون إلى أوطانهم حاملين شيئًا من الدهشة والذكريات. أما زيارة الأربعين، فهي ليست أثرًا جامدًا يُتفرَّج عليه، ولا معلمًا تاريخيًا انتهى دوره، بل هي معجزةٌ حيّة متجددة، تشعّ في القلوب، وتستقطب الملايين عامًا بعد عام. ولعلها المعجزة الثامنة، إن لم تكن المعجزة الوحيدة التي ما زالت تنبض بالحياة، وتزداد حضورًا وتأثيرًا كلما امتد بها الزمن.

منذ أن استُشهد الإمام الحسين عليه السلام، لم تنقطع زيارته. ومهما حاول أعداؤه أن يطفئوا نورها، أو يضعوا الحواجز في طريقها، بقيت جذوتها متقدة، وازداد الشوق إليها اشتعالًا.

في يوم الأربعين، تتحرك الملايين نحو كربلاء؛ عشرة ملايين، أو خمسة عشر، أو عشرون، أو أكثر... أمواجٌ بشرية لا تكاد تنتهي، وكلها تهتف باسم الحسين عليه السلام.

رجالٌ ونساء، شيوخٌ وأطفال، أصحاء ومرضى، وذوو إعاقات، يلبّون النداء، ويأتون من أقصى بقاع الأرض، متحملين مشقة السفر، وصعوبة الطريق، والزحام، والتعب، فلا يشغلهم شيء سوى الوصول إلى الحسين عليه السلام.

وهنا يبرز السؤال الذي يحيّر العقول:

ما سر هذا الانجذاب العجيب إلى الحسين؟

قد يأتي رجل أعمال اعتاد حياةً مترفة، ثم يجد نفسه في طريق الأربعين يعيش كما يعيش سائر الزائرين؛ ينام ببساطة، ويأكل مما يقدَّم إليه، ويمشي بين الناس بلا امتيازات. ومع ذلك يشعر في داخله بفخرٍ لا يشبه شيئًا آخر، وكأن شيئًا كان غافيًا في روحه قد استيقظ، وكأن حياةً جديدة بدأت تنبض في أعماقه.

وفي يوم الأربعين ترى مواقف يعجز العقل عن تفسيرها.

كيف تستوعب مدينةٌ واحدة هذه الأعداد المليونية؟

كيف يجد كل هؤلاء طعامهم وشرابهم وموضع راحتهم ونومهم، من دون أن يحملوا همًّا كبيرًا، وكأن الطريق قد هيّأ لهم كل شيء؟

الماء متوفر، والطعام حاضر، وأماكن الاستراحة مفتوحة، والأيدي ممدودة بالخدمة، وكل ذلك يُقدَّم بمحبة، ومن غير مقابل.

ترى الجميع يعملون لإنجاح هذه المسيرة المليونية: الأطفال، والرجال، والنساء، والشيوخ. كل واحد منهم يتحرك بطاقةٍ مدهشة، وكأن التعب لا يعرف إليه طريقًا.

بل إنك تراهم يرحبون بك، ويرجون منك أن تقبل خدمتهم. هذا يقدّم لك الماء، وذاك يحمل عنك متاعك، وآخر يهيئ لك مكانًا للراحة، وكل واحد منهم يشعر أن خدمتك شرفٌ له، لا عبءٌ عليه.

إنها صورة نادرة للإنسان حين يتجرد من أنانيته، ويجد سعادته في العطاء.

وعندما تدخل حرم الإمام الحسين عليه السلام، تشعر أنك لا تدخل مكانًا فحسب، بل تدخل حياةً أخرى.

روحك تتجدد، وعقلك يستيقظ، ونفسك تهدأ، وقلبك يشعر كأنه وُلد من جديد. تعيش حالةً من التفاعل الروحي والوجداني لا تشبه ما اعتدته في حياتك اليومية؛ حالةً لا تُوصف بسهولة، وإنما تُعاش.

ولهذا، حين تلتقط في الأربعين صورةً تذكارية، فإنك لا تلتقط صورةً إلى جوار معلمٍ تاريخي، بل تحتفظ بصورةٍ للحظة ولادة جديدة.

إنها صورة الإنسان وقد عاد إلى نفسه، واستعاد نقاءه، وشعر بمعنى العطاء والانتماء والوفاء.

إنها حقًا... صورة الحياة الجديدة.

العودة إلى الأعلى