زيارة الأربعين: كيف تُدار لوجستيات إطعام وإيواء عشرات الملايين في كربلاء؟
كل عام، وفي موعد ثابت يصادف أربعينية استشهاد الإمام الحسين، تتحول الطرق الممتدة من مختلف محافظات العراق باتجاه كربلاء المقدسة إلى مسار بشري هائل، يقطعه الملايين سيراً على الأقدام في واحدة من أضخم عمليات الحشد البشري السنوي في العالم، دون أن تديرها جهة مركزية واحدة، بل شبكة أهلية متكاملة من المواكب والخدمات التطوعية. وأعلنت العتبة العباسية المقدسة أن عدد المشاركين في إحياء زيارة الأربعين لعام 1447 هـ الموافق 2025 م بلغ 21,103,524 زائراً، في إحصائية رسمية وثقت هذا الحدث الديني الأضخم من نوعه. وفي وقت لاحق، أعلن مجلس محافظة كربلاء أن العدد الإجمالي للزوار تجاوز 23 مليون شخص، وهو تباين طبيعي يعكس اختلاف آليات الرصد والتوقيت بين الجهات الرسمية المعنية بالإحصاء. وقبل انطلاق موجة الزوار الكبرى، تُسجَّل أعداد الوافدين من خارج العراق عبر المنافذ الحدودية بشكل منفصل، حيث كشفت هيئة المنافذ الحدودية في وقت سابق عن إحصائيات يومية لأعداد القادمين عبر عشرة منافذ برية وجوية رئيسية، من بينها منفذ سفوان والشلامجة ومطاري بغداد والنجف الدوليين، إضافة إلى منفذ زرباطية والمنذرية والقائم.
العمود الفقري للخدمة
على عكس التجمعات الحاشدة الأخرى في العالم التي تُدار عادة عبر جهات حكومية أو شركات مرخصة، يقوم الثقل الأكبر من خدمة الزائرين في الأربعين على "المواكب الشعبية" - وهي خيام ومحطات خدمية ينصبها الأهالي والعائلات والجمعيات الدينية على طول الطرق الرابطة بين النجف وكربلاء وبقية المحافظات، ويقدمون من خلالها الطعام والشاي ومياه الشرب والمبيت وحتى الخدمات الطبية الأولية، دون مقابل مادي ودون أي حجز أو تسجيل مسبق من الزائر.
هذا النموذج التطوعي، الذي يتكرر ويتوسع سنة بعد أخرى، يجعل من الصعب حصر الجهة "المسؤولة" عن تغذية وإيواء الملايين بجهة واحدة، إذ تتوزع المسؤولية على آلاف المواكب المستقلة التي تنسق فيما بينها بشكل عفوي إلى حد كبير.
الخطة الأمنية والخدمية
تضع اللجنة الأمنية العليا لزيارة الأربعين خططاً استباقية قبل أشهر من الموعد، بالتنسيق بين الأجهزة الأمنية والخدمية المختلفة. وأكد مسؤولون أمنيون أن الاستعدادات هذا العام انطلقت مبكراً وفق سيناريوهات محتملة تأخذ بعين الاعتبار التحديات المتوقعة، وفي مقدمتها ارتفاع درجات الحرارة وكثافة أعداد الزائرين، مع اعتماد الخبرات المتراكمة من مواسم الزيارة السابقة.
ومن الإجراءات المعتمدة في السنوات الأخيرة، جعل مركز مدينة كربلاء "منزوع السلاح" خلال أيام الزيارة كإجراء وقائي إضافي، إلى جانب تشكيل لجان ميدانية متعددة وغرف عمليات لمتابعة واقع الفنادق ودور الضيافة والخدمات المساندة بشكل لحظي.
التفويج وحركة النقل
من أبرز التحديات اللوجستية التي تواجه القائمين على تنظيم الزيارة هي إدارة حركة "التفويج العكسي"، أي عودة الملايين من كربلاء إلى محافظاتهم بعد انتهاء مراسم الزيارة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. وأشارت الجهات المعنية إلى أن خطط التفويج العكسي تسير بانسيابية عالية بفضل زيادة أعداد وسائل النقل الخاصة والعامة، ومشاركة عجلات الوزارات الساندة، وتهيئة ساحات انتظار على المحاور الثلاثة الرئيسية المؤدية إلى المدينة.
مع هذا الحجم من الحشود، تبرز الحاجة إلى خطط توزيعية خاصة لتأمين المشتقات النفطية والخدمات الأساسية. فقد أعلنت شركة توزيع المنتجات النفطية في كربلاء عن انطلاق خطط توزيعية مخصصة لموسم الزيارة، بهدف ضمان استمرارية تزويد المحطات والمولدات الكهربائية التي تعتمد عليها المواكب والخدمات الميدانية بشكل مباشر.
خلاصة
تكشف الأرقام والإجراءات المرافقة لزيارة الأربعين عن منظومة لوجستية معقدة، تجمع بين تخطيط أمني وخدمي رسمي من جهة، وتكافل أهلي تطوعي واسع النطاق من جهة أخرى، في معادلة تنجح عاماً بعد آخر في استيعاب عشرات الملايين من الزائرين ضمن مساحة جغرافية محدودة نسبياً، دون أن تتوقف هذه المنظومة على جهة مركزية واحدة تُدير كامل تفاصيلها.


