الأوبئة الصامتة: السمنة والسكري يتقدمان على الأمراض المعدية في تهديد صحة العالم
أخطر التهديدات الصحية في العالم تأتي من الفيروسات أو الأمراض المعدية، لكن حديثا أيضا ازدات المخاطر من أمراض مزمنة تتسلل بصمت إلى حياة ملايين البشر، وفي مقدمتها السمنة والسكري، اللتان أصبحتا تشكلان عبئا صحيا واقتصاديا غير مسبوق على الدول وأنظمتها الصحية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأمراض غير السارية، مثل أمراض القلب والسكري والسرطان وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، تتسبب في وفاة ما لا يقل عن 43 مليون شخص سنويا، أي ما يعادل نحو 75% من الوفيات غير المرتبطة بالأوبئة حول العالم، فيما تحدث نسبة كبيرة من هذه الوفيات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
تصنف السمنة على أنها مشكلة مرتبطة بالمظهر أو نمط الحياة وتعتبرها منظمة الصحة العالمية مرضا مزمنا معقدا ينتج عن تداخل عوامل وراثية وبيئية وسلوكية وغذائية.
وتشير أحدث بيانات المنظمة إلى أن واحدا من كل ثمانية أشخاص في العالم كان يعاني من السمنة عام 2022، بينما تجاوز عدد البالغين الذين يعانون من زيادة الوزن 2.5 مليار شخص، منهم نحو 890 مليونا مصابون بالسمنة. كما تضاعفت معدلات السمنة بين البالغين أكثر من مرتين منذ عام 1990، وارتفعت بين الأطفال والمراهقين إلى أربعة أضعاف.
ولا تقف آثار السمنة عند زيادة الوزن، حيث ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب، والسكتات الدماغية، وبعض أنواع السرطان، وأمراض الكلى والكبد.
السكري انتشار متسارع
يتزامن انتشار السمنة مع ارتفاع مستمر في معدلات الإصابة بالسكري، خصوصا من النوع الثاني، الذي يرتبط بصورة وثيقة بزيادة الوزن وقلة النشاط البدني.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن ارتفاع مستوى السكر في الدم يعد أحد أبرز عوامل الخطر المؤدية للأمراض غير السارية، فيما تسبب السكري بأكثر من مليوني وفاة سنويا، عند احتساب الوفيات المباشرة وتلك الناتجة عن مضاعفات الكلى المرتبطة به.
لماذا تتفاقم الأزمة؟
يربط خبراء الصحة العالمية هذا التصاعد بمجموعة من العوامل، أبرزها:
-الاعتماد المتزايد على الأغذية فائقة المعالجة والغنية بالسكر والدهون.
-انخفاض النشاط البدني نتيجة أنماط العمل والحياة الحديثة.
-التوسع الحضري والجلوس لساعات طويلة.
-التسويق المكثف للأطعمة والمشروبات غير الصحية.
-ضعف برامج الوقاية والكشف المبكر في كثير من الدول.
تكلفة اقتصادية تتجاوز الصحة
لا تقتصر آثار السمنة والسكري على صحة الأفراد، وانما تمتد إلى الاقتصاد العالمي، بحسب منظمة الصحة العالمية، قد تصل الكلفة الاقتصادية العالمية لزيادة الوزن والسمنة إلى ثلاثة تريليونات دولار سنويا بحلول عام 2030، مع توقع تجاوزها 18 تريليون دولار بحلول عام 2060 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
كما حذرت دراسة دولية نشرتها مجلة The Lancet من أنه، في حال غياب تدخلات فعالة، قد يصبح أكثر من نصف البالغين في العالم وقرابة ثلث الأطفال والمراهقين مصابين بزيادة الوزن أو السمنة بحلول عام 2050، وهو ما قد يفرض ضغوطًا غير مسبوقة على أنظمة الرعاية الصحية.
الوقاية ما تزال الخيار الأكثر فاعلية
يرى خبراء الصحة أن مواجهة هذه الأوبئة الصامتة لا تعتمد على العلاج وحده حيث تبدأ بتغيير أنماط الحياة، من خلال تعزيز النشاط البدني، وتقليل استهلاك الأغذية عالية السعرات، وتشجيع الأنظمة الغذائية الصحية، إلى جانب التوسع في برامج الفحص المبكر والتوعية المجتمعية.
وبينما نجحت البشرية في الحد من كثير من الأمراض المعدية بفضل اللقاحات والتقدم الطبي، تبدو المعركة الحالية مختلفة، إذ تدور داخل العادات اليومية للإنسان، حيث تتحول خيارات الطعام وقلة الحركة تدريجيا إلى عوامل قد تكون أكثر فتكًا من كثير من الأوبئة التي شغلت العالم خلال العقود الماضية.


