السياحة في العراق كيف تتحول الزيارة إلى شريان حياة للمجتمع؟
في كثير من دول العالم، أصبحت السياحة صناعة استهلاكية لا تترك للأهالي سوى الضجيج والتلوث، لكن إذا أردت أن ترى النموذج الحقيقي لما يسميه الخبراء السياحة المسؤولة وهي السياحة التي تحمي البيئة وتضع المال في جيب المواطن البسيط فما عليك إلا أن تراقب ما يحدث في العراق، من جنوب الأهوار وصولاً إلى مدن العتبات المقدسة.
في المدن الدينية مثل كربلاء والنجف، يلمس الزائر نمطا فريدا من الاقتصاد التشاركي، حيث هنا، تعتمد السياحة على نظام المواكب والمضايف والبيوت المفتوحة.
هذا النموذج، الذي يدرسه العديد من الباحثين والزائرين باعتباره شكلاً من أشكال الاقتصاد الاجتماعي، يضمن بقاء النفع الاقتصادي داخل المدينة، فعندما يشتري الزائر طعامه من بائع متجول في السوق القديم، أو يسكن في بيت محلي، هو يساهم في إطعام عائلة، وهذا هو جوهر السياحة المسؤولة، وبأن يتحول الزائر إلى شريك في تنمية المدينة وليس مجرد زبون يغادر تاركا نفاياته خلفه.
أما في أهوار العراق المدرجة على لائحة التراث العالمي، السياحة الجماعية ليست ممكنة، وهي نعمة في الحقيقة، حيث هنا، السياحة تعني أن تركب المشحوف مع ابن الأهوار الذي يعرف أين تضع قدمك دون أن تؤذي القصب أو تعكر صفو الطيور.
المزارع والصياد أصبحا هم حراس للطبيعة فبسبب وعي الزوار الذين يأتون خصيصاً لاكتشاف هذه البيئة الفريدة، أصبح الحفاظ على المياه ونظافة الأهوار مصدراً للرزق، فالسياحة هي الدافع الأكبر للأهالي للحفاظ على نمط حياتهم التقليدي وحمايته من الاندثار.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن السائح بدأ يدرك أن السياحة هي رسالة ولم يعد الهدف فقط التقاط وانما من أجل العودة بقصة وقيمة.
إن هذا النوع من السياحة يتطلب منا ثلاثة أمور بسيطة لنكون سياحاً مسؤولين:
كل دينار تنفقه في حانوت صغير في سوق قديم هو دعم مباشر لمربي أسرة محليا، وان المدن المقدسة والمواقع الأثرية هي مساحات لها خصوصيتها الاجتماعية والثقافي، كذلم فان السياحة المسؤولة تقوم على مبدأ لا تترك خلفك إلا أثراً طيباً، ولا تأخذ معك إلا ذكريات جميلة.
ويؤكد الخبراء أن هذا النمط يقلل من الفجوة الاقتصادية، وان السياحة الجماعية الضخمة غالباً ما تتركز أرباحها في شركات عالمية، بينما السياحة المسؤولة توزع الخير على الجميع، وإنها سياحة تعيد الاعتبار للمجتمعات المحلية، وتجعلهم فخورين بتراثهم بدلاً من أن يضطروا لتغييره ليرضي السائح.
العراق يحتاج إلى تعزيز هذه الثقافة الأصيلة في الضيافة التي تجعل السائح فرداً من العائل، وعندما تزور النجف، أو تتجول في أهوار ميسان، أو تمشي في أزقة بابل، تذكر أن زيارتك ليست مجرد رحلة، هي استثمار في بقاء هذه الأماكن وازدهار أهلها.


