مالا تعرفه عن الحوادث التاريخية في موسم الحج
يُعد موسم الحج أحد أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم، حيث يتوافد الملايين من المسلمين من جميع أنحاء المعمورة لأداء هذه الفريضة. ومع هذا الحشد الهائل، وقعت على مر القرون أحداث مأساوية متعددة، تنوعت بين التدافعات البشرية، الحرائق، الهجمات المسلحة، وحتى الأوبئة.
أولاً: التدافعات وحوادث الدهس
- كارثة نفق المعيصم (1990)
في تموز 1990، وقعت واحدة من أسوأ الكوارث في تاريخ الحج عندما وقع تدافع داخل نفق المشاة "المعيصم" المؤدي من مكة إلى منى وعرفات. أدى فشل نظام التهوية في النفق إلى اختناق الحشود، مما أسفر عن مقتل 1,426 حاجاً، معظمهم من جنسيات آسيوية (ماليزيا وإندونيسيا وباكستان) .
ذكر شهود عيان أن انقطاع التيار الكهربائي أدى إلى تعطل مروحتي التهوية القويتين في النفق، مما فاقم الوضع المأساوي. تُعتبر هذه الحادثة الأكثر دموية في تاريخ الحج الحديث من حيث عدد الضحايا.
- تدافع 1994
في 23 أيار 1994، وقع تدافع خلال طقوس رمي الجمرات أسفر عن مقتل 270 حاجاً على الأقل . أشارت السلطات السعودية آنذاك إلى أن "الأعداد القياسية" من الحجاج (التي بلغت 2.5 مليون حاج) كانت سبباً في الحادثة .
- حوادث متتالية
- نيسان 1998، قُتل 118 حاجاً وأصيب 180 آخرون في تدافع على جسر الجمرات .
- آذار 2001، لقي 35 حاجاً مصرعهم في تدافع مماثل .
- شباط 2003 وفاة 14 حاجاً .
- شباط 2004، وقع تدافع خلال رمي الجمرات أدى إلى مقتل 251 حاجاً وإصابة 244 آخرين .
- كانون الثاني 2006، وقع تدافع كبير آخر على جسر الجمرات خلال آخر أيام الحج. أسفر الحادث عن مقتل ما لا يقل عن 346 حاجاً وإصابة 289 آخرين .
وقع الحادث بعد وقت قصير من الساعة 1:00 ظهراً بالتوقيت المحلي، عندما وصلت حافلة محملة بالحجاج إلى المنحدرات الشرقية المؤدية إلى الجسر، مما تسبب في تعثر الحجاج وتدافع مميت . تجدر الإشارة إلى أن هذا الحادث جاء بعد أسبوع واحد فقط من انهيار فندق الغزة في وسط مكة، الذي أودى بحياة 76 شخصاً .
- كارثة منى (2015) – الأسوأ في التاريخ
في 24 أيلول 2015، وقعت أسوأ كارثة في تاريخ الحج على الإطلاق. أسفر التدافع الهائل خلال طقوس رمي الجمرات في منى عن مقتل ما بين 1,470 و2,411 حاجاً (حسب المصادر) .
أشارت تحقيقات وكالة أسوشيتد برس إلى أن العدد الحقيقي للقتلى تجاوز 2,200، وهو أعلى بكثير من الأرقام التي نشرتها السلطات السعودية . ألقى بعض الحجاج باللوم على إغلاق طريق بالقرب من موقع الرمي، متهمين قوات الأمن بسوء إدارة تدفق الحشود .
ثانياً: الحرائق في مخيمات الحج
- حريق 1975
في 14 كانون الأول 1975، انفجرت أسطوانة غاز في مخيم للخيام قريب من مكة، مما أدى إلى اندلاع حريق هائل أودى بحياة 200 حاج .
- حريق منى (1997) –
في 15 نيسان 1997، اندلع حريق في مخيم للحجاج في منى بسبب موقد غاز. أسفر الحريق عن مقتل 343 حاجاً وإصابة حوالي 1,500 آخرين . بعد هذه الكارثة، أصبحت الخيام في منى مصنوعة من مواد مقاومة للحريق كإجراء وقائي .

ثالثاً: الهجمات المسلحة والعمليات الإرهابية
- حادثة الحرم المكي (1979) – الاقتحام المسلح
في 20 تشرين الثاني 1979، شهد الحرم المكي واحدة من أكثر الحوادث صدمة في التاريخ الحديث. اقتحم مئات المسلحين (يُقدر عددهم بين 200-500) الحرم المكي، محتجين على العائلة المالكة السعودية ومطالبين بتنحيها .
تحصن المسلحون داخل المسجد الحرام واحتجزوا العشرات من الحجاج رهائن. استمرت العملية لمدة أسبوعين، وأسفرت عن مقتل 153 شخصاً (بينهم 127 جندياً سعودياً وأكثر من 100 من المسلحين) وإصابة 560 آخرين .
-اشتباكات 1987 – مأساة الطائفية
في 31 تموز 1987، اندلعت اشتباكات بين حجاج إيرانيين وقوات الأمن السعودية خلال احتجاجات غير مرخصة. أسفرت المواجهات عن مقتل أكثر من 400 حاج، بينهم 275 إيرانياً، وفقاً للأرقام الرسمية .
- تفجيرات 1989
في 9 تموز 1989، انفجرت قنبلتان خارج المسجد الحرام، مما أسفر عن مقتل حاج واحد وإصابة 16 آخرين .
رابعاً: الأوبئة والأمراض
- أوبئة الكوليرا التاريخية
شهد القرنان التاسع عشر والعشرون تفشياً لأوبئة الكوليرا المرتبطة بموسم الحج:
- 1821: مات حوالي 20,000 حاج في مكة بسبب وباء الكوليرا الذي بدأ في الهند عام 1817 .
- 1865: انتشرت سلالة جديدة من الكوليرا من دلتا الغانج في البنغال إلى مكة، وأودت بحياة الآلاف .
- فيروس كورونا (COVID-19) – تقليص الحج 2020
مع تفشي جائحة كورونا، اتخذت السعودية قرارات غير مسبوقة. في 21 نيسان 2020، أعلنت السعودية أن موسم الحج لعام 2020 سيكون محدوداً للغاية، مع حضور بضعة آلاف فقط (مقارنة بـ 2.5 مليون حاج في 2019) .
كانت آخر مرة أُلغي فيها الحج بالكامل في عام 1798، عندما غزا نابليون بونابرت مصر . كما مُنع الحجاج كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة من أداء الفريضة في 2013 بسبب متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) .
خامساً: أحداث تاريخية
لم تقتصر المآسي على العصر الحديث، بل شهد تاريخ الحج حوادث مدمرة منذ قرون:
- حصار مكة عام 692م المصادف 64هـ حيث حاصر الحجاج بن يوسف الثقفي بامر من يزيد بن معاوية مكة ودكت الكعبة بالمنجنيق في موسم الحج وذلك لاخذ البيعة من الزبير، مما أدى إلى تضرر الكعبة المشرفة وبقي الحصار مستمرا حتى مطلع شهر ربيع الاخر بعد ان علم جيش الحجاج بهلاك يزيد.
- هجوم القرامطة عام 930م هاجم زعيم القرامطة أبو طاهر الجنابي مكة في أول أيام الحج، وذبح حوالي 30,000 حاج، وسرق الحجر الأسود واحتفظ به لمدة 21 عاماً.
- غارة قافلة الحج عام 1757م هاجم البدو قافلة الحج العائدة من مكة إلى دمشق، مما أسفر عن مقتل حوالي 20,000 حاج.

سادساً: حوادث أخرى بارزة
- انهيار الرافعة (2015)
قبل أسبوعين فقط من تدافع منى عام 2015، في 11 أيلول 2015، تسببت عاصفة قوية في انهيار رافعة على المسجد الحرام، مما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص وإصابة المئات .
- انهيار فندق الغزة (2006)
في 5 كانون الثاني 2006، انهار فندق الغزة المكون من عدة طوابق في مكة، وهو يضم حجاجاً كانوا يستعدون لموسم الحج. أودى الانهيار بحياة 76 شخصاً .
- حوادث الطائرات
سجلت حوادث طيران متعددة مرتبطة بالحج، أبرزها:
- 1973: تحطم طائرة نيجيرية في كانو، نيجيريا، مما أسفر عن مقتل 176 حاجاً .
- 1974: تحطم طائرة مارتن إير 138 في سريلانكا، ومقتل 191 حاجاً .
- 1991: تحطم طائرة نيجيريا إيرويز 2120 بعد إقلاعها من جدة، ومقتل 247 حاجاً .
يظل الحج رغم هذه المآسي رمزاً للوحدة والتضامن الإسلامي. وقد استجابت السلطات السعودية عبر العقود لتحسين ظروف الحجاج وتطوير البنية التحتية، بدءاً من توسعة الجمرات وإنشاء جسور متعددة الطوابق، وصولاً إلى تطوير أنظمة التصاريح الإلكترونية واستخدام تقنيات إدارة الحشود الحديثة .
ومع ذلك، تظل التحديات قائمة مع ازدياد أعداد الحجاج سنة بعد سنة. تُبرز هذه الأحداث الحاجة المستمرة إلى التطوير والتخطيط الدقيق لضمان سلامة وراحة ضيوف الرحمن، الذين يأتون من كل فج عميق لأداء هذه الفريضة العظيمة.
المصادر: AFP، وكالة أسوشيتد برس، الجزيرة



