الامام الصادق عليه السلام امتداد الوحي ووحدة المنبَع
صباح الطالقاني
ارتبط اسم الإمام جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي السجّاد ابن الحسين ابن علي ابن ابي طالب عليهم السلام بالفترة المتأخرة من عصر السلطة الاموية الظالمة امتداداً الى سقوطها سنة 132 هجرية وقيام دولة بني العباس مكانها، وقد شهدت هذه الفترة اضطرابات وصراعات بين فلول السلطة الساقطة ونظام السلطة الجديدة حيث تعقّبَ العباسيين افراد الاسرة الاموية وأتباعهم وأبادوهم بدءاً من معركة الزاب الكبرى وحتى في معاقلهم بالشام، وكأن يد القدر الإلهي انزلت القصاص في الامويين بعد ما عاثوا ظلماً وانحرافاً ونخراً بالفساد في جسد الامة الاسلامية كلها...
وبالعودة لإمامُنا عليه السلام فانه استثمر تلك السنوات المضطربة في تأسيس مدرسة اسلامية ثابتة الجذور ووارفة الظِلال الى يومنا هذا، حيث هو مؤسس المذهب الجعفري والذي نسميه مجازاً مذهب اهل البيت عليهم السلام، لسبب واضح وجليْ هو ان كل ما جاء من علوم دينية لقّنها الصادق عليه السلام لطلبتهِ والتي شملت التربية والفقه والعقيدة والتفسير واللغة والادب وغيرها، انما هي صادرة له عن طريق آبائه المكرمين الاطهار عليهم السلام وصولاً الى جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله والذي لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.
وفي هذا الصدد لابد من الإشارة الى الرواية الصادرة عن الصادق عليه السلام والتي تعكس المكانة المحورية للإمام كحلقة وصل أساسية في نقل المعرفة النبوية وحفظها، وذلك في قوله انَّ: "حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وحديث رسول الله قول الله عز وجل".
وقد بشّرَ النبي الاعظم صلى الله عليه وآله بقدوم حفيده جعفر الصادق حتى قبل أن يولد، فقد جاء في حديث نبوي أنه بشّر بولادته ولقّبه بالصادق ليميزه عن شخص آخر في المستقبل سيدّعي الإمامة كذباً، حيث قال صلى الله عليه واله: "إذا وُلد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسمّوه (الصادق)؛ فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدّعي الإمامة اجتراءً على الله وكذباً عليه، فهو عند الله جعفر الكذّاب..." وهذه اشارة كبرى ودلالة واضحة على عِظَم الدور الذي اضطلع به الامام الصادق عليه السلام في ترسيخ اسس العلوم الدينية بالمجتمع الاسلامي، في وقت الفتن والصراعات الاموية العباسية على السلطة.
كان الصادق عليه السلام كريماً يعين المحتاجين ومربّياً يرسخ الاخلاق في نفوس المسلمين قبل العلم وقد جمع بين العبادة العميقة والعمل الاجتماعي فصار مثالاً للقيادة الروحية، وبتلك الصفات رسّخ مكانته رمزاً للعلم والورع في مدرسة اهل البيت ومؤسساً للمذهب الجعفري المبارك. فسلامٌ عليه يوم وُلد ويوم استُشهد ويوم يبعثُ حياً ليُحشر مع الصدّيقين والانبياء وحسُنَ اولئك رفيقا.



