الانفجار الديموغرافي بين "منحة" الشباب و"محنة" الموارد

: اسرة التحرير 2026-03-25 09:57

بينما تكافح القوى العظمى لمواجهة شيخوخة مجتمعاتها، يندفع العراق نحو قمة الهرم الشبابي العالمي بسرعة هائلة. 

ووفقاً لبيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، يُصنف المجتمع العراقي كأحد "أفتى" المجتمعات في المنطقة والعالم، حيث أن أكثر من 60% من سكانه هم دون سن الـ 25 عاماً. هذا الرقم يضع البلاد أمام خيارين أحلاهما مر: إما التحول إلى قوة اقتصادية إقليمية، أو الغرق في أزمات معيشية عابرة للحدود.

تشير التقديرات الرسمية الصادرة عن وزارة التخطيط العراقية إلى أن عدد السكان تجاوز عتبة الـ 45 مليون نسمة في مطلع عام 2026، مع معدل نمو سنوي يقترب من 2.5%. هذه الزيادة تعني إضافة نحو مليون مولود جديد سنوياً، وهو ما يضع ضغطاً "انفجارياً" على البنى التحتية المتهالكة أساساً. 

العراق يحتاج، بحسب تقارير دولية، إلى بناء أكثر من 250 مدرسة جديدة سنوياً و100 ألف وحدة سكنية فقط لمواكبة هذه الزيادة، وهو ما يتجاوز القدرات التنفيذية الحالية للدولة.


فرصة ضائعة في سوق معطل

الزاوية الدولية في تقريرنا تكمن في مفهوم "النافذة الديموغرافية"، ودول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة استغلت كثرة الشباب لتحويل بلدانها إلى مصانع عالمية. في العراق، تشير تقارير منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن معدل البطالة بين الشباب العراقي يتجاوز 35%، مما يحول هذه الطاقة البشرية من "محرك نمو" إلى "عبء اجتماعي" يدفع بالآلاف نحو الهجرة غير الشرعية أو الانخراط في اقتصادات غير رسمية.

وبرغم غياب قوانين حكومية لتحديد النسل، إلا أن مسوحات صندوق الأمم المتحدة للسكان داخل العراق تظهر تحولاً جوهرياً، فمعدل الخصوبة الذي كان يتجاوز 6 أطفال لكل امرأة في السبعينيات، انخفض ليصل إلى قرابة 3.3 طفل حالياً. هذا التراجع نتيجة "ضغط الواقع الاقتصادي"، حيث بدأت العائلات العراقية في المدن الكبرى تعيد حساباتها حيال "جودة الحياة" مقابل "عدد الأبناء"، وسط ارتفاع جنوني في أسعار العقارات وتكاليف التعليم والطبابة.

التقرير الدولي للعراق اليوم يؤكد أن الثروة النفطية لم تعد كافية لإعالة ملايين الأفواه الجديدة وإن الاستثمار في "رأس المال البشري" عبر التحول من التعليم التقليدي إلى التعليم التقني المرتبط بسوق العمل العالمي هو المخرج الوحيد.

العراق لا يحتاج إلى "تحديد نسل" قسري بقدر ما يحتاج إلى "إدارة سكانية" ذكية تحول القنبلة الموقوتة إلى طاقة نووية لبناء المستقبل. 

فهل ستتمكن السياسات القادمة من اللحاق بقطار الديموغرافيا المسرع، أم أن الفجوة ستتسع لتبتلع ما تبقى من استقرار؟


العودة إلى الأعلى