إعادة توطين الحياة البرية في العراق في ظل التنوع البيولوجي المفقود
أدت عقود من الصراع والتدهور البيئي إلى دفع الحياة البرية الأصلية في العراق إلى حافة الانقراض. وأشار تقرير لـ ناشيونال جغرافيك إلى أن الحروب وتغيرات استخدام الأراضي "قلصت" أعداد الذئاب والماعز الجبلي وحتى غزال الداما الفارسي إلى "ما يقارب العدم"، فيما أصبح هذا الغزال منقرضاً إقليمياً في العراق.
كما يفاقم تغير المناخ من حجم التهديد، إذ يُصنَّف العراق بين أكثر دول العالم عرضة للجفاف. في هذا السياق، يهدف جهدٌ دولي جديد إلى إعادة إدخال الأنواع البرية التي اختفت بسبب الحروب والتصحر.
ووفق هذه الرؤية، تعمل الحكومة العراقية ومنظمات غير حكومية على إعادة بناء إطار حماية الطبيعة. وقد انضم العراق رسمياً عام 2014 إلى اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض، والتي تدرج الآن أكثر من 100 نوع محلي للحماية. وتمهّد هذه الالتزامات الطريق لمشاريع عابرة للحدود لاستعادة الأنواع "المفقودة" في العراق.
إعادة توطين الثدييات الكبيرة
في محمية ساوة بمحافظة المثنى، يرعى قطيع صغير من غزلان الريم المهددة بالانقراض بين رمال الصحراء. وقد أدّى الجفاف الشديد إلى تراجع أعدادها بشكل حاد. ويجسد الغزال الدرقي ، المعروف محلياً بغزال الريم، محنة الحياة البرية في العراق. ففي منتصف عام 2022، أفادت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة بأن أعداد غزلان ساوة انخفضت من 148 إلى 87 رأساً خلال شهر واحد بسبب العطش والجوع.
ويُدرج هذا النوع حالياً بوصفه "مهدداً بالانقراض" على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة IUCN. ويحذّر المسؤولون من أنه من دون تمويل مستدام أو حماية للموائل، فإن جميع قطعان الغزلان العراقية مهددة بالانهيار.
ويتمثل الرد العملي الوحيد في برامج الإكثار في الأسر وإعادة الإطلاق في البرية. ويملك العراق بالفعل برامج حكومية للتكاثر، من بينها منشأة "علي الغربي" ومحمية في الرطبة بمحافظة الأنبار، إضافة إلى محمية برزان العشائرية في إقليم كردستان، غير أن نتائجها كانت متفاوتة. وعلى النقيض، تقدم دول الجوار نماذج نجاح؛ فالمها العربي - الذي انقرض سابقاً في البرية - أُعيد توطينه بنجاح في عدة دول شرق أوسطية. وعند انضمام العراق إلى الاتفاقية، أُدرجت أنواع مثل المها العربي وغزال الداما والوعول والطيور الجارحة ضمن الأنواع موضع الحماية. ويمكن للعراق نظرياً التعاون مع برامج محميات خارجية لإعادة توطين الأنواع الأصلية متى ما توفرت الاستقرار.
أما "أسد بابل" - السلالة الآسيوية من الأسود التي كانت تعيش في العراق - فقد اختفى قبل قرن تقريباً. وتشير السجلات إلى أن آخر أسد بري في العراق قُتل نحو عام 1918، ولم يعد لهذا النوع وجود في البلاد. وأي محاولة لإعادته ستعتمد على استيراد أفراد من الخارج (من الهند أو حدائق الحيوان)، وهو أمر نظري حالياً. لذا يبقى الأسد رمزاً ثقافياً لما فُقد، بينما تتركز الجهود الواقعية على أنواع ما تزال موجودة مثل الغزلان والحمير البرية.
حماية الطيور النادر
تحتضن جبال وغابات كردستان الرطبة مئات الأنواع من الطيور، بينها طيور مهاجرة مثل اللقالق والنسور. وقد سُجل في الإقليم أكثر من 350 نوعاً من الطيور، فيما يصل العدد الإجمالي في العراق إلى نحو 408 أنواع، منها 19 نوعاً مهدداً عالمياً. وتؤوي غابات البلوط والفستق في شرق كردستان أنواعاً متخصصة إقليمياً، كما تستقبل السهول والمستنقعات طيوراً مهاجرة موسمية كالكراكي والبجع.
وقد حدد العلماء 74 موقعاً مهماً للطيور في العراق، العديد منها في كردستان، ومن بينها جبل بيرامكرون الذي أُعلن منطقة مهمة لحماية النسر المصري. وفي هذا الإطار، أُعلن عام 2023 عن إنشاء محمية جديدة بدعم قطري في سهول أربيل لحماية الطيور المهاجرة النادرة، بدعم رسمي من حكومة إقليم كردستان.
إلى جانب ذلك، تنشط منظمات غير حكومية مثل "نيتشر عراق"، التي وثقت عشرات أزواج التكاثر من النسر المصري المهدد بالانقراض في كردستان. كما انضم العراق عام 2022 إلى برنامج أوروبي لحماية هذا النوع والحد من التسميم والاتجار غير المشروع به.
ورغم هذه الجهود، ما تزال التهديدات قائمة، ومنها الصيد غير القانوني وإزالة الغابات والاتجار بالحياة البرية وتغير المناخ. وتعرّضت النسور بشكل خاص لحوادث تسميم وتهريب. ويستجيب الناشطون بحملات توعية مدرسية وبرامج إعلامية تبرز أهمية النسور في تنظيف البيئة، إضافة إلى تشديد القوانين المحلية لحماية الحياة البرية منذ عام 2008. كما تخطط حكومة الإقليم لإعلان المزيد من المتنزهات الوطنية لتغطية الغابات والمناطق الرطبة.
العراق على الساحة الدولية
يتنامى دور العراق في جهود الحفظ العالمية. فبموجب التزامه باتفاقية CITES، يتعين عليه منع الاتجار غير المشروع بأنواعه المحمية. كما يعمل على تحديث تشريعاته البيئية والتنسيق مع أجهزة الجمارك والشرطة لمكافحة التهريب.
وفي عام 2025، انضمّت حكومة إقليم كردستان رسمياً الى إلى الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، ما يربطها بشبكة تضم أكثر من 1400 عضو حول العالم. ورحّبت المنظمة بهذه الخطوة باعتبارها محطة مهمة لتعزيز جهود حفظ الطبيعة في العراق والمنطقة. كما تحظى منظمات محلية مثل "نيتشر عراق" باعتراف دولي وتتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة في مشاريع مشتركة.
وتشمل الشراكات أيضاً مبادرات ممولة من "مبادرة داروين" البريطانية لدراسة التنوع الحيوي في كردستان، حيث وثّق باحثون مئات الأنواع النباتية في جبل بيرامكرون، وطوروا تطبيقاً للهواتف الذكية للتعريف بالطيور.
وفي جنوب العراق، ساعدت برامج أممية ودولية في إعادة إغمار الأهوار التي جُففت سابقاً، ما أسهم في عودة الجاموس المائي وثعالب الماء.


