ميثم التمّار.. الصحابي الصارخ بوجه الظلم والاستبداد
تحقيق/ علي الاسدي - إعلام مزار ميثم التمار
أبو سالم ميثم بن يحيى التمار كان عبداً لامرأة من بني أسد، ثم أسلم فاشتراه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأعتقه، وأصبح ملازماً للإمام علي (عليه السلام) ملازمة الظل لصاحبه فكان يحذو خلفه حذو الفصيل أثر أمه، مكتسبا من علومه ومعارفه ما لم يكتسبه إلا القلّة من حواري الإمام (عليه السلام)، وصار من خواصّه ومن المقرّبين منه؛ لذا فقد خصّه (عليه السلام) بعِلم البلايا والمنايا، كما أنّه صاحَبَ الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، وكان ناشطاً في نشر فضائل ومناقب الإمام علي بصورة خاصة وفضائل أهل البيت بصورة عامة، وساعياً في فضح مخازي بني أمية لاسيما معاوية ومن سار خلفه، واستمرَ ميثم في رسالته يحدّث بفضائل بني هاشم، حتى قيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد!..
فقال: "ألْجِموه! فكان أوّل خَلق اللهِ من أُلجِم في الإسلام، ثم أمر ابن زياد بصلبه ثم قتله، واستشهد في (22 من ذي الحجة سنة 60 هـ)".
مزاره المشرَّف
حرص المؤمنون في كل أرجاء العراق على وضع استراتيجية معينة تسهم في عملية تطوير كلّ أضرحة المراقد المقدسة والمزارات الشريفة، خاصة بعد تحررها من الاستبداد الحاكم، لتشهد نهضة عمرانية كبيرة وعلى كافة الصعد والمجالات، من خلال العديد من المشاريع العملاقة التي تهدف إلى توفير كل الخدمات الضرورية لزائري هذه البقاع الطاهرة، ومن بينها مزار الصحابي الجليل ميثم التمار (رضوان الله عليه) الذي يقع غرب مسجد الكوفة على مسافة (500) متر منه، على يمين القادم من النجف الى الكوفة.
اقدم عمارة للمزار المشرف
كان مرقد ميثم التمار عبارة عن بناء قديم، وكان البناء الاول له في ستينيات القرن الماضي وقد تبرع في بناءه الحاج محمد رشاد ميرزا، من تجّار النجف الاشرف بعدما حصلت له كرامة مع الصحابي ميثم التمار (رضوان الله عليه)..
(أصيب بمرض عضال في معدته حرمه من كل ملذات العيش الهنيء، فحاول العلاج مراراً وتكراراً داخل العراق وخارجه حيث سافر إلى لندن وسويسرا وغيرهما؛ لكن دون جدوى، وفي ذات يوم عندما كان ذاهب إلى بغداد لأجل العلاج توقفت سيارته نتيجة خلل أصابها أمام مرقد الصحابي الجليل ميثم التمار (رضوان الله عليه)، بينما انشغل السائق بتصليحها انشغل الحاج محمد رشاد في النظر إلى المرقد الشريف؛ حيث قِدم البناء فقرر في نفسه أن يقوم ببناء الضريح، فألغى سفره إلى بغداد ورجع، وبدأ العمل بإعمار المرقد الشريف، واشتد عليه المرض وآلامه، وإذا في عالم الرؤيا يرى أن باب غرفته قد فتحت وشعَّ فيها نور ساطع لم يرى مثله واذا بشخص أنيق الملبس يقول له: "قم يا حاج محمد رشاد لقد شفيت من مرضك"، فأستفسر منه ولده (الراوي لهذه القصة ابن الحاج محمد رشاد) عن شخصية الضيف في المنام فأجابه: "هو ميثم بن يحيى التمار"، وزاد أن التمار (رضوان الله عليه) قد هنّئه على عمله بتعمير المرقد، وقال له: "قد علمت من سيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام) انك ستوفق لتعمير مراقد أخرى فانهض الآن فقد شفيت بأذن الله وتوكل على الله"، ويقول (رحمه الله): "لقد أعطاني شذرتين تشبهان العقيق أخذتهما بيدي ورمى حولي عدة شذرات أخرى"، فاستيقظ من نومه وطلب على الفور طعاماً فأكل بشهية واستطاع أن يأكل كل أنواع الطعام؛ بينما كان طعامه في فترة مرضه الخبز والمشوي واللبن الرائب، وبقي بصحة جيدة لأربعين سنة تقريباً حتى وفاته (رحمه الله).
تطوير عِمارة المزار المشرف
بقي المرقد على بناء الحاج رشاد ميرزا حتى عام 2012 وبعد ان تم اختيار النجف عاصمة الثقافة الاسلامية لتتكفل هيأة إعمار النجف الاشرف ببناءه، وكان البناء والتأهيل والاعمار على ثلاث مراحل، حيث تنقسم الى ثلاثة مراحل بدئت بالمرحلة الاولى وهي اعادة اعمار المرقد الشريف بالكامل بعد هدمه حيث بلغت مساحته الحالية بعد التوسعة (1100)م2 بعد أن كانت سابقا (413)م2 وتتضمن هذه المرحلة كافة الاعمال المدنية والكهربائية والميكانيكية وبكلفة تخمينية (3.481.625.000) مليار دينار.
وقد تمت المباشرة بأعمال هذه المرحلة بتاريخ 3/4/2011 وشملت هذه المرحلة بناء هيكل المرقد الشريف تعلوه قبة قطرها (9)م ومنارتين كل منهما بارتفاع (28)م وبقطر (2.5)م وكذلك تغليف القبة بالكاشي الكربلائي الفيروزي وبأجود الانواع وتغليف المنارتين بمادتي الكاشي الكربلائي والجفقيم المطعم بالكالوك، مع عمل كافة الابواب والشبابيك التابعة للمرقد الشريف وبتصاميم معمارية خاصة؛ كما شملت هذه المرحلة ايضا بناء غرف للسيطرة واخرى للمولدات والمحولات ومخازن لحاجة المزار بصورة ضرورية لها بما يتناسب مع الاعمار الذي يشهده الضريح الشريف وقد اكتملت هذه المرحلة بسنتين تقريبا.
وتمت المباشرة بالمرحلة الثانية بتاريخ 17/ 11/ 2012م وبكلفة مقدارها (2.877.250.000) دينار وتضمنت هذه المرحلة تغليف المرقد الشريف حيث تم اعتماد نظام القبب والكيربندي داخل المرقد الشريف وتم تغليفها بأجود انواع المرايا واستخدام الكاشي الكربلائي والمرمر من أجود الانواع أما الواجهة فتم تطعيمها بـ(الجفقيم) - (نوع من التغليف بالطابوق)، حيث استخدم هذا الطراز الإسلامي في جزء من المنارة أيضا، وفقا لتصاميم معمارية اعدت لهذا الغرض بما يتلائم مع العمارة الاسلامية للمراقد المقدسة.
معالم من العمارة الحديثة
شهد البناء فتح ثلاثة ابواب رئيسية، هي: الاولى باب الرسول وكتبت عليه (الرواية المشهورة عند لقاء التمار مع السيدة ام سلمة (عليها السلام)، حيث حجّ ميثم في السنة التي قُتل فيها، وزار السيدة أُمِّ سلمة، فقالت له: «من أنت؟»، فقال: «عراقي»، فسألته عن نسبه، فذكر لها أنّه كان مولى الإمام علي (عليه السلام)، فقالت: «سبحان الله، والله لطالما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوصي بك عليًا في جوف الليل»، ثمّ دعَتْ بطيِب فطيَّبت لحيته، فقال لها: «أما أنَّها ستخضَّب بدم»، فقالت: «من أنبأَك هذا؟» فقال: «أنبأَني سيِّدي»، فبكت أُمّ سلمة وقالت له: «إنّه ليس بسيِّدك وحدك، وهو سيِّدي وسيِّد المسلمين»، ثمَّ ودَّعته.
وباب الامام علي (عليه السلام) كتبت عليه الرواية عنه: قال ميثم: «دعاني أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقال: "كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بني أُمية عبيد الله بن زياد إلى البراءة منّي"؟ فقال: "يا أمير المؤمنين، أنا والله لا أبرأ منك"، فقال: "إذًا والله يقتلك ويصلبك"، فقلت: "أصبر فذاك في الله قليل"، فقال (عليه السلام): "يا ميثم إذًا تكون معي في درجتي".
وباب الامام الباقر (عليه السلام) وكتب عليه قوله (سلام الله عليه) حيث قال في حق ميثم: "اني لاحبه حبا شديدا"، أما المرحلة الثالثة متوقفة وفي طور الدراسة على أمل في ان يكون مرقد الصحابي الجليل ميثم التمار (رضوان الله عليه) في متكاملا.
توسعة المزار المشرّف
مراحل الاعمار به متكاملة ومستمرة حيث كل مرحلة تكمل احداها الاخرى فبتوسعة الضريح قلت مساحة الصحن لذا من الواجب والضرورة توسعة الصحن الشريف وبعد اخذ الموافقات الرسمية من ديوان الوقف الشيعي تم الحصول على المساحات المحيطة بالصحن الشريف وضمها الى المرقد ليتسنى الى امانة المزار توسعة المرقد بما يتلاءم مع التطور العمراني الذي يشهده المزار لخدمة لزائر الكريم حيث مساحة الصحن الحالية قبل التوسع هي (3992م2) ومساحته للتوسع بعد الموافقات هي: (16818م2) وتم مراعاة في التوسعة برنامج وظيفي خاص يتضمن عمل أواوين ومكتبة ومضيف وجناح الامانة وغيرها بما يخدم المرقد وزائريه ليوفر لهم الراحة والخدمة الجيدة.
الشباك الشريف
بعد ان تم انجاز المرحلة الاولى والثانية؛ كان لابد ان يتم استبدال الشباك القديم بشباك يتناسب مع التطور العمراني بمساحة تبلغ (4×5)م وارتفاع (3.5 م)، وبتصميم جديد اكمالاً لمراحل الاعمار التي شهدها المرقد حيث جرت الموافقات من ديوان الوقف الشيعي والامانة العامة على عمل الشباك بعد تقديم التصاميم المعمارية الخاصة بذلك وصنع الشباك في دولة ايران وحمل رمز النخلة التي لها ارتباط وثيق مع صاحب المقام ميثم التمار (رضوان الله عليه).
ويعدُّ مزاره أمانة خاصة، وهي احد تشكيلات الامانة العامة للمزارات الشيعية في ديوان الوقف الشيعي في العراق، ويعتبر المزار فضلاً عن كونه محط رحال الملايين من الزائرين العرب والاجانب مصدرَ اشعاعٍ فكريٍ وثقافيٍ، وتضمن مرافقه العديد من الاقسام والشعب.



