المقرنصات التراثية.. رؤى تحليليَّة
بقلم: محمد طهمازي
تصوير: خضير فضالة
يغمرنا الانبهار والدهشة والتساؤلات التي لا نعرف لها أجوبة، ونحن نقف أمام طابع أو وحدات معمارية في العمارة الدينية للعتبات المقدسة.. والتي تشكل بصمة مميزة وغريبة في آن واحد؛ بصمة تحرّك فينا الرغبة في الفهم قبل الرغبة في التذوّق الفني, لا في الوهلة الأولى فقط وإنما في كل مرة نقف أو نمرُّ تحت صروحها السامقة!..
قديمًا قالوا: بـ(أن الحاجة أم الاختراع)، وهذا القول لا ينحصر في الاختراعات التي تستجيب للاحتياجات العملية اليومية للإنسان؛ بل أنه في حالات ليست بالقليلة ينسحب إلى مجالات أخرى أو أنه وبقول آخر يبدأ بحاجة عملية ثم ينطلق منها إلى عالم أوسع لم يكن في الحسبان متجاوزًا حدود وجوده الأصلية أو حتى منقطعًا عن ضروراتها الوجودية.
ما هي (الظروف التقنية) للمقرنصات؟
جاء المقرنص إلى الوجود كحيلة معمارية مستجيبة لضرورة بنائية لإحكام ربط الجدار بالسقف أو لربط الجدار بسقف قد لا يكون هو السقف النهائي بل تدرّج مثل درج مقلوب يمهّد للسقف النهائي، وتدعيمه بزاوية مثلثة منحنية الضلع الخارجي بهدف زيادة في قوة التدعيم عبر الاستفادة من فكرة التقوّس أو السطح المقوّس من الداخل أي المقعّر عوض الاستعانة بقطع من جذوع تضيف جهدًا زائدًا وتعقيدات في العمل والتكلفة، في ذات الوقت الذي تنقص فيه من القيمة المعمارية البنائية كشكل منساب وسطوح صافية خالية من النتوءات المخرّبة للمنظر والمزعجة للعين والتي ستحتاج لاحقًا لعمليات ترقيعية لإخفاء هذه الزوائد..
ولادة المقرنصات؟
هنا جاء ذكاء المعماري الذي قام بعملية يمكن تسميتها: (القفز على المراحل، واختصار العمل التدعيمي والترقيعي في عمل واحد)، فكان نتاج العملية أعلاه ولادة عنصر هندسي يتكون من ثلاث حنايا أو سطوح أو قطع، تتجاور حنيتين وتأتي الثالثة لتعلوهما بشكل يتوسّط فيه المحور الرأسي للحنية الفوقية المحورين الرأسيّين للحنيتين المتجاورتين لتشغل الثلاثة ذات الحيّز أو الاتساع من دون خروج طرف أو زاوية من الشكل الناتج عن إتحاد الحنايا الثلاث، وبارتفاع يتراوح ما بين 30 إلى 35 سم، وفي حالات شاذة قد يصل إلى (50 سم) وحينها يكون قد فقد ميزته الجمالية ودخل منطقة الضعف والضرر..
الفرادة الهندسية
يأتي هذا العنصر المعماري منفردًا حينًا ومتكرّرًا للضرورة المعمارية في حين آخر، الأمر الذي استدعى التفكير الجمالي المعماري بالتساؤل التالي:
لماذا لا نجعل هذه الوحدة المعمارية مكرّرة بدل الوحدات المفردة أو المتعدّدة المتباعدة ونجعلها في صفوف كشريط ممتد أو إفراز بدل تبعثرها دون نظام؟ لماذا لا نجعلها تدور في شكل قوس أو دائرة حسب قابلية المساحة والشكل البائي الذي يتم العمل عليه؟ لماذا لا نجعل تلك الصفوف تتكرر صفًا فوق الآخر؟ لماذا لا نجعل منها وسيلة للصعود انتقاليًّا من جدران مضلعة إلى جدار دائري يرتفع ليذوب في شكل قبّة أو نصف قبّة؟ لماذا لا نستخدمه للانتقال بين القبّة والدعامات أو الأعمدة الحاملة لها؟ لماذا لا نحوّلها لمحاريب؟ لماذا لا نجعل منها إطارًا للنوافذ؟ لماذا لا نلبسها رؤوس الأعمدة؟ لماذا لا نقوم بإنتاج عمليات أخرى وأخرى داخل هذه العناصر المعمارية؟ وراحت الفكرة تتسع وتتسع..
منابع فكرة المقرنصات
وإن أردنا البحث عن جذور ومنابع المقرنصات علينا العودة لجذور ومنابع الأقواس والقباب لأنها كانت المنابع التخيّلية والتطبيقية ومنها تولّدت الحاجة العملية ولو تأمّل كل ذي بصر وبصيرة بشكل حيادي متجرّد من الأهواء والعنصريات لتأكّد بشكل لا يقبل الشك ولا حتى النقاش أن انطلاق فكرة المقرنصات كان تحديدًا من حوض الرافدين الذي يزخر بملايين أشجار النخيل التي سكنت خيال الفرد العراقي وما تزال, ونراها قد تمظهرت في نتاجاته الفنية بشكل كبير ومكثّف أكثر من أي بلد آخر، وأن هذه البلاد كانت المسرح الأول والرئيس لتطبيق هذه الوحدات المعمارية والجو الابداعي الذي تفتّقت فيه قريحة الفنان لاحقًا ليعزز ويُغني الفكرة الأساسية ويمدّها بجذوة الاستمرارية والبقاء بمختلف الأشكال والاستخدامات المعمارية.
كيف تتكون؟
مما سبق فالمقرنصات عناصر وتكوينات معمارية ثلاثية الأبعاد تتكون داخلها بفعل التجاور والتراصف الأفقي والعمودي حجرات ومحاريب وخطوط وحنايا وأقواس ومظلات وتجاويف وتدلّيات ونوافذ مغلقة أو مفتوحة.
وهنا نجد أنفسنا أمام حقيقة مهمّة في العملية المعمارية, هي عملية الدمج بين الغاية الوظيفية التطبيقية العملية، وبين الغاية المظهرية الجمالية في العمارة، وأن يسير الفعلان في خطّين متوازيين متعاضدين لإنتاج عناصر معمارية فنية في نهاية المطاف.. هذه الحقيقة التي صارت لاحقًا واحدة من أهم سمات العمارة الدينية لدينا؛ بل والأجمل!..
مكان الابتكار
بعدما تناولنا الظروف التقنية أو الحاجة المعمارية التي مهدت لابتكار المقرنص ثم تدرّجت في إيجاد سُبُل تخطيطية في كيفية التعاطي معه ضمن العملية المعمارية وتوظيفه بالتالي كعنصر جمالي, نأتي لكي نتساءل: أين تم ابتكار هذا العنصر المعماري الفريد؟ وقبلها من أين استوحى المعماري العبقري شكل هذا المقرنص؟.
وهنا لن أخوض في تدحرجات التشبيه بالبامية وخلايا النحل وبذور البطيخ كما تدرج صحفيون وباحثون من دون إعمال النظر والتحليل ليروا أن المقرنصات لا تمت لما ذكروه بصلة بل والطريف أن في تخيلاتهم ثمّة نباتات أو ثمار لم تكن تعرفها المنطقة في ذلك الحين!..
الغاية الروحية؟
نبينا الاكرم (صلى الله عليه وآله) قال: "أوصيكم بعمّتكم النخلة" وعمّتكم هنا ليست أخت أبيكم كما فُسّرت على أنها أخت آدم وجاءت معه من الجنّة.. ذاك التفسير الذي لا يستند إلى أي نص ديني؛ بل ومثل كثير من التفاسير نراه يستند إلى جهل صاحبه باللغات القديمة قبل التاريخ والنصوص الدينية.. حيث أن كلمة (عمّ، عمّة) في اللغة القديمة لا تعني وفق مكان استخدامها اليوم فيكون العم (أخ الأب) أو العمّة (أخت الأب) بل تعني كلمة عمّة هنا (المقدّسة أو السامية أو السماويّة) ومنها جاءت تسمية (العمامة) الأمر الذي يتطابق بشكل غير مسبوق مع الغاية الروحية والدينية التي تشبّعت بها المقرنصات وأشبَعت بها العمارة الدينية وبفاعلية عظيمة!.
نظرة تجريدية..
لقد كان اصطفاف قواعد السعفات المقطوعة في قمّة جذع النخلة بشكل متناوب من صف لآخر، لتماسك البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضًا، مصدر إلهام المعمار العراقي القديم في البناء بالطابوق المصنوع من اللبن وهو بداية وعي البشرية على طريقة البناء هذه والتي استمرت لليوم، وكان لهذا ذات الدور كما نشاهد في البنية التجميعية المرصوصة للمقرنصات، الوعي الذي تشكّل عبر المشاهدة اليومية لشجرة تحيط بهم من كل جانب وتمدهم باحتياجات مهمة في حياتهم اليومية، وتشحن مخيّلتهم عبر مساحة لا نهاية لها من التأمّل، التأمل والتمعّن القريب لكتلة مكتملة الابعاد وفي متناول اليد..
شناشيل المنائر الدائرية
الآن لننظر الى النخلة بشكل تجريدي ولنعتبر أن جذعها عبارة عن عمود وكل غصن من أغصانها أو فروعها منطلق القوس ونصفه الذي سيكمله غصن آخر يقابله من النخلة المجاورة والذي سيكوّن القبّة بتجاور أربع نخلات في زوايا شكل مربع وبالتالي أربع أعمدة وهي النموذج أو الشكل النموذجي لحمل القبة كمثال تخيّلي لـ(تقريب الفكرة)، وهنا لنتأمل موضع انطلاق أو منشأ الغصن أو قاعدته أي ما نسمّيها بالكربة ستجدها على شكل مثلث طويل الساقين وهو مطابق تمامًا للحنية المثلّثة التي يذهب أغلب الباحثين لاعتبارها الشكل الأول أو المرحلة الأولى في ابتكار الوحدة المعمارية التي نسميها بالمقرنص! وتأمل في الصور قمة جذع النخلة واستخدام المقرنصات في قمة أسطوانة المنائر التي تحمل الشناشيل الدائرية التي يطل منها المؤذّن!.



